Arab
لا شيء يكشف الصراعات داخل الأحزاب الفرنسية كما تكشفها الانتخابات الرئاسية. قاعدةٌ كرّستها الاستحقاقات الأخيرة، وعادت لتبرهن عليها، خلال الأيام الماضية، الخلافات السائدة داخل "الحزب الاشتراكي" وحزب "النهضة" الرئاسي، قبل عام من رئاسيات فرنسا 2027. ففي غضون يومين، أعلنت رئيسة الوزراء السابقة إليزابيث بورن، في السادس من مايو/أيار الحالي، انسحابها من قيادة "النهضة"، وكان قد انسحب النائب ورئيس الكتلة الاشتراكية في الجمعية الوطنية بوريس فالو، يوم الجمعة الماضي، من إدارة الحزب الاشتراكي برفقة 24 من مناصريه.
غيرة بورن وطموح أتال
ولا يمكن قراءة انسحاب بورن بمعزل عن توجّه "النهضة" لتعيين غابريال أتال مرشحاً له في رئاسيات فرنسا 2027"، وهو خيار بدا محسوماً منذ أسابيع. فحين أعلن أتال نيّته تولّي الأمانة العامة للحزب نهاية 2024، تراجعت بورن وسحبت ترشحها للمنصب ذاته مقابل تسوية أوصلتها إلى رئاسة المجلس الوطني للحزب. غير أن تلك التسوية مع أتال الذي خلفها في رئاسة الحكومة، لم تضع حداً للتوتّر بينهما، بل أجّلت انفجاره فقط. إذ وجدت بورن نفسها في موقع هامشي داخل حزب أمضت في خدمته سنوات بين الوزارات ورئاسة الحكومة، دون أن تغادر صفوفه الأمامية منذ وصول ماكرون إلى السلطة عام 2017. وقد كشف عن حجم هذا الاحتقان تصريحٌ أدلت به لأسبوعية "لا تريبون ديمانش" في يناير/ كانون الثاني الماضي، حين وصفت "النهضة" بأنه "لم يعد حزباً، بل وكالة علاقات عامة لغابريال أتال". غير أن ضرورة الحفاظ على تماسك المعسكر الرئاسي قُبيل الانتخابات البلدية، التي أجريت في مارس/آذار الماضي، أجّلت لحظة الإعلان عن القطيعة، لكنّها لم تمنع بورن من التحضير لها، كما يبدو. إذ تزامنت استقالتها من إدارة "النهضة" مع إعلانها عن إطلاق حركة سياسية، هي "نبني معاً"، وإصدارها كتاباً (لنستيقظ) تقدّم فيه برنامجها السياسي الداعي إلى "تجمّعٍ جمهوري وديمقراطي".
لا يمكن قراءة انسحاب بورن من "النهضة" بمعزل عن توجّه الحزب لتعيين غابريال أتال مرشحاً رئاسياً له
يُذكر أن بورن قدّمت استقالتها من رئاسة المجلس الوطني لـ"النهضة" في 6 مايو الحالي، فيما دعا هذا المجلس (مكوّن من 303 أعضاء)، والذي يُعتبر بمثابة برلمان الحزب، أتال (36 عاماً)، رسمياً، أول من أمس الثلاثاء (12 مايو)، خلال اجتماع له، إلى تقديم ترشحه رسمياً لاستحقاق رئاسيات فرنسا العام المقبل، ما يعني تقريب أتال أكثر من أن يكون المرشح الرسمي للرئاسة للحزب الذي أسّسه الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون. وتبنى المجلس في هذا الصدد، مذكرة، تحثّ أتال على الترشح، علماً أن الأخير لديه حتى الأول من أكتوبر/تشرين الأول المقبل، لإعلان ترشحه رسمياً، كما يجب أن يصوّت أعضاء الحزب ليكون مرشح الحزب الرسمي في رئاسيات فرنسا 2027.
وفي استعراضها الأسباب التي دفعتها لاتخاذ قرار الاستقالة، قالت بورن، في مقابلة مع إذاعة "فرانس أنتير" يوم الأربعاء الماضي، إنها "لا تتفق مع الخط الحالي" للحزب، لا سيما وأن هذا الخط "لم تجرِ مناقشته" داخلياً قبل العمل به، في إشارة إلى استئثار أتال بالسلطة داخل "النهضة". كما أشارت إلى أنها ستكرّس نفسها لحركتها الجديدة التي وصفتها بأنها "مساحة مفتوحة" للنقاش وتبادل الأفكار أمام سياسيين من مختلف الأحزاب والأطياف. لكنّ الأسماء المعروفة حتى اليوم من أعضاء الحركة تنحدر جميعها من المعسكر الرئاسي، مثل الوزراء السابقين أنييس بوزان، ونيكول بيلوبيه، وإيريك دوبون موريتي. وما يجمع هؤلاء، بحسب بورن، هو تمسّكهم بـ"القيَم" الليبرالية التي حملتها الماكرونية في بداياتها قبل أن تنزلق نحو الشعبوية اليمينية وحُكم الشخص الواحد، إن كان في الرئاسة (ماكرون) أو داخل الحزب (أتال).
والحال أنّ ما يغذّي الاحتقان بين بورن وأتال لا يقتصر على غيرة من المكانة التي بات يحتلّها خصمها "الموهوب لكن المفتقر للخبرة"، كما تصفه في كتابها، بل يمتد إلى خلاف حول ما ينبغي أن تكون عليه الماكرونية بعد ماكرون. فبورن، التي شغلت وزارات مثل التعليم والنقل والعمل، تنظر إلى المنعطف الأمني والهوياتي الذي أخذه الحزب تحت سلطة أتال، بوصفه مسعى انتهازياً انتخابياً يفرّغ "النهضة" من معناه عبر تبنّي أفكار فرضها اليمين المتطرف في النقاشات السياسية. وهي تعترض مثلاً على اقتراح أتال حظر الحجاب على القاصرات في الفضاء العام، وتقديمه طروحات تتعلق بتشديد العقوبات الجنائية، وترى أنها مقترحات مناقضة لمبادئ الدستور الفرنسي.
وإذا كان توصيف بورن تحوّل "النهضة" تحت قيادة أتال نحو اليمين أمراً تصعب المجادلة فيه، فإن انتقاداتها للمسار الذي اتخذه المعسكر الماكروني منذ 2017 تدعو إلى الحيرة. فبورن لم تكن شخصية ثانوية داخل المنظومة التي تنتقدها اليوم، بل من أبرز وجوهها طوال ثماني سنوات. فقد مثّلت، خلال رئاستها الحكومة (2022 ـ 2024)، أحد أكثر وجوه الماكرونية صرامةً ومحافظةً، في مرحلة اتسمت بتراجع النقاش البرلماني وتمرير بعض من أكثر القوانين إثارةً للجدل في البلد خلال السنوات الماضية. فقد استخدمت حكومتها المادة 49.3 من الدستور الفرنسي أكثر من عشرين مرة لتمرير قوانين من دون تصويت في البرلمان، وعلى رأسها إصلاح نظام التقاعد الذي تسبّب باحتجاجات واسعة. كما تولّت رئيسة الوزراء السابقة التفاوض مع اليمين واليمين المتطرف حول قانون الهجرة المثير للجدل، في خطوة أثارت اعتراض جزء من معسكرها نفسه. ولعلّ هذا الالتباس هو ما يجعل تموضعها الجديد أقرب إلى محاولة إعادة تعريف داخل الماكرونية، لا قطيعة فعلية معها.
أزمة في "الاشتراكي" بسبب رئاسيات فرنسا
أمّا في "الاشتراكي"، فتبدو الأزمة أقلّ وضوحاً ممّا توحي به الاستقالات والرسائل المتبادلة عبر وسائل الإعلام. صحيحٌ أنّ بوريس فالو اتهم أوليفييه فور، الأمين العام للحزب، في رسالة وجّهها إليه الجمعة، بالانفراد بالقرار وتعطيل الحزب عبر رفض الحوار حول استراتيجيته بشأن رئاسيات فرنسا 2027، إلا أنّه لا يقدّم المشكلة بوصفها خلافاً أيديولوجياً مع فور. كما لم يذهب حتى الآن إلى حدّ المطالبة بإسقاط فور أو استقالته، وهو ما عاد وأكده في مقابلة إذاعية أجراها يوم الاثنين الماضي، على راديو "فرانس أنتير".
حذّر فالو من أنّ ترك هوية مرشح اليسار المعتدل معلّقة يفتح المجال أمام اليمين واليمين المتطرف لفرض أجندتهما على النقاش العام
وربط فالو استقالته بما اعتبره غياباً للتحضير من أجل الاستحقاق الرئاسي، قائلاً إن "الجميع يخوضون حملاتهم الانتخابية منذ الآن، باستثنائنا نحن"، محذّراً في الوقت نفسه من أنّ ترك هوية مرشح اليسار "المعتدل" معلّقة يفتح المجال أمام اليمين واليمين المتطرف لفرض أجندتهما على النقاش العام. كما دعا، في المقابلة نفسها، إلى حوار ولقاءات تجمع مختلف أطياف اليسار من رئيس حزب "ساحة عامة" رافائيل غلوكسمان إلى النائب فرنسوا روفان، لكنها تستثني حركة "فرنسا الأبية" وزعيمها جان لوك ميلانشون. علماً أن ميلانشون أعلن في 4 مايو الحالي، ترشحه للانتخابات الرئاسية لعام 2027، مبدياً ثقته بإلحاق هزيمة ساحقة باليمين المتطرف المتقدم في الاستطلاعات.
ولا تبدو هذه الطروحات بعيدة كثيراً عمّا يقوله فور نفسه. فالرجلان يتحدثان، نظرياً على الأقل، عن الحاجة إلى إعادة بناء يسار قادر على بلوغ الجولة الثانية من رئاسيات فرنسا من دون الارتهان لتحالف مع ميلانشون، الذي يرى الاشتراكيون أنّ خطابه الراديكالي يضيّق من قدرة اليسار على مخاطبة جمهور أوسع، ولا سيما ممن خيبتهم سنوات حُكم الرئيس ماكرون. لكنّ الخلاف بين الرجلين لا يتعلّق بالهدف، بل بالنهج الذي يمكّن من الوصول إليه. فأوليفييه فور ينطلق من قناعة مفادها أنّ "الاشتراكي" لم يعد القوة المهيمنة داخل اليسار الفرنسي، وأنّ أي أفق رئاسي يمرّ بالضرورة عبر تفاهمات واسعة مع بقية القوى، لا عبر تسمية مرشح اشتراكي وانتظار الآخرين أن يلتحقوا به. أمّا فالو، فلا يرفض التحالف بحدّ ذاته، لكنه يرفض أن يدخل الحزب في ترتيبات انتخابية قبل حسم نقاشه الداخلي حول مشروعه السياسي والشخصية التي تمثّله. ولهذا يتحفظ على الانتخابات التمهيدية بين أحزاب اليسار، معتبراً أنّها قد تتحول إلى بديل عن النقاش الداخلي نفسه.
انضمّ هولاند إلى صفوف المعارضين رسمياً لانتخابات تمهيدية بين قوى اليسار
من جهته، يدرك فور أنّ أي تصويت داخلي، سواء على هوية مرشح "الاشتراكي" أو على برنامجه، قد يضعه رسمياً في موقع الأقلية بعد خروج تيّار فالو من قيادة الحزب، وهو التيار الذي سمح له أصلاً بالبقاء في موقعه أميناً عاماً، بعدما فاز بفارق ضئيل على منافسه نيكولا ماير روسينيول في انتخابات المؤتمر السنوي للحزب في يونيو/حزيران 2025. ولهذا، يرفض فور فتح معركة داخلية مبكرة حول المرشح أو الدعوة إلى اجتماع للمجلس الوطني للحزب، مفضّلاً إبقاء النقاش معلّقاً إلى حين اتضاح الصورة بين مختلف قوى اليسار. غير أن هذا التوجّه يزيد من عزلة فور داخل حزبه ويوسّع الهوّة بينه وبين العديد من الشخصيات الوازنة فيه، ومن بينها الرئيس السابق فرنسوا هولاند، الذي أعلن قبل أسابيع "تحضّره" لانتخابات 2027. وانضمّ هولاند إلى صفوف المعارضين رسمياً لانتخابات تمهيدية بين قوى اليسار حيث أعلن، في مقابلة أجراها الأحد على قناة "فرانس 3"، أن الوقت لانتخابات تمهيدية "قد انتهى"، وأنه لا بد من اختيار مرشّح قادر على "تجسيد" اليسار ومشروعه، ضارباً مثالاً على هذا المرشّح برافائيل غلوكسمان، الذي يحظى أيضاً بدعم فالو.
والحال أن مؤتمر يونيو/حزيران 2025 نصّ صراحةً على أنه بعد الانتخابات البلدية، التي عُقدت في مارس، سيجتمع المجلس الوطني للحزب للبت في حملته الرئاسية وتحديد مرشحه لها. لكنّ فور ما زال يماطل في الدعوة إلى هذا الاجتماع، ما يجعل انسحاب فالو من القيادة تذكيراً باتفاق لم يُحترم أكثر منه تمرّداً على الحزب.
