Arab
أفرزت التطورات الميدانية التي تلت الهجوم المنسق على مواقع للجيش المالي في 25 إبريل/ نيسان الماضي، شمالي البلاد من قبل جبهة تحرير أزواد، والعاصمة باماكو وسط مالي من قبل تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين، الموالي للقاعدة، تغييراً في خطوط الاشتباك في مالي بين الأطراف الثلاثة. وفيما استمرت عمليات الكر والفر بين الجيش وتنظيم نصرة الإسلام والمسلمين في المحاور القريبة من باماكو وفي وسط مالي، حسمت الأزواد الوضع في الشمال إلى حين، خصوصاً بعد انسحاب الجيش المالي والفيلق الأفريقي التابع لوزارة الدفاع الروسية الذي يساعد الجيش، من مدينة كيدال. أما الحكومة المالية فتعيد ترتيب أوضاعها الميدانية والعسكرية بعد الارتباك الذي حصل خلال الهجمات وفي أعقابها.
ووسط خطوط الاشتباك في مالي بعد الهجمات، استقرت الأوضاع نسبياً في شمال البلاد، على النحو الذي كانت عليه قبل سيطرة الحكومة المركزية في باماكو على المنطقة خلال إبريل 2024، حيث أعادت جبهة تحرير أزواد السيطرة الكاملة على كبرى مدن الشمال، واستلمت كامل القواعد والمراكز العسكرية التي كان يشغلها الجيش وقوات الفيلق الأفريقي. يفرض ذلك واقعاً جديداً ومغايراً تماماً لما كانت تريده الحكومة المالية، إذ تعود خطوط التماس بين أزواد والسلطة المركزية إلى ما قبل انقلاب مايو/أيار 2021، وقبل قرار إلغاء اتفاق الجزائر للسلام (2015 بين باماكو وتنسيقية الحركات الأزوادية شمالي البلاد) الذي اتخذه رئيس السلطة الانتقالية أسيمي غويتا في سبتمبر/ أيلول 2023.
محفوظ آغ عدنان: قوات جبهة تحرير أزواد تسيطر بالكامل على منطقة أزواد
تبدّل خطوط الاشتباك في مالي
وفي السياق، قال القيادي في جبهة تحرير أزواد ورئيس المنتدى السياسي للأزواد، محفوظ آغ عدنان، لـ"العربي الجديد"، إنّه "بالنسبة لنا الأمور عادت إلى ما قبل السيطرة السابقة للجيش المالي"، مضيفاً أن "قوات جبهة تحرير أزواد تسيطر بالكامل على منطقة أزواد (شمالي البلاد)". وشدد على أن الجبهة تعمل الآن "على عودة شعبنا من النازحين إلى مناطق سكنهم في مدن الشمال، بعد فترة نزوح وتشريد في المخيمات، ونعمل على تثبيت كل عوامل الاستقرار وتحقيقها"، لافتاً إلى أن "الأوضاع تخدمنا في الوقت الحالي وهي في صالحنا، لأن الجيش المالي لن يترك باماكو التي تتم مهاجمتها من قبل تنظيم نصرة الإسلام وجبهة ماسينا (كتائب ماسينا من المتشددين الذين ينشطون وسط مالي)، ويتجه لمهاجمة كيدال".
وتبدو جبهة تحرير أزواد مستفيدة من ثلاثة عوامل في الوقت الحالي، أولاً الضعف اللوجيستي للجيش المالي وحليفه "الفيلق الأفريقي" والذي لا يسمح بمعاودة الهجوم على مدن الشمال من جهة، وثانياً انشغال الجيش المالي بمواجهة التهديد الأكبر للحكومة المركزية، وهو تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين الموالي للقاعدة الذي يتمركز في محيط العاصمة، ويحاول مجدداً قطع طرق الإمداد عنها. أما العامل الثالث فهو إعطاء الأولوية في الفترة الأخيرة من قبل الجيش لمعركة تأمين الطرق والمحاور المؤدية من وإلى باماكو، ومنها إلى الحدود مع دول أخرى تصل منها، خصوصاً، إمدادات الوقود.
لكن هذه السيطرة الميدانية للأزواد في الشمال القريبة من الحدود مع الجزائر، لم تمنع الجيش المالي من الاستمرار في المناوشة العسكرية عبر طلعات جوية واستطلاعية وقصف مواقع للأزواديين، إذ يؤكد الجيش في بياناته الأخيرة أنه سيستمر في ملاحقة ما يصفها بـ"الجماعات الإرهابية المسلحة حتى آخر معاقلها في جميع أنحاء البلاد". وأعلنت قيادة القوات المسلحة المالية، تنفيذها مهام استطلاع في منطقة غاو (شمال شرقي مالي)، الأحد الماضي، وتدمير مركبة مموهة ومعدات لوجيستية، من دون أن تحدث هذه الضربات العسكرية أي تغيير في الواقع الميداني في مدن الشمال، تحديداً في كيدال وتساليت وغاو وغيرها، حيث تعيد جبهة الأزواد تنظيم الشؤون المدنية للسكان.
وضع حذر في باماكو
لكن خطوط الاشتباك في مالي تُرجمت في باماكو بشكل مختلف. وقال الناشط السياسي المالي المستقل، محمد ديبا، إن الوضع في باماكو مستقر وهناك عودة للحياة الطبيعية بما فيها الحركة التجارية من العاصمة وإليها، لكنه أشار في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أنه "يبقى وضعاً حذراً نسبياً، حيث يتمركز الجيش بشكل لافت قرب المؤسسات الحيوية مثل التلفزيون وقصر الرئاسة ومطار باماكو (الدولي) وغيرها، ونشر تعزيزات وتحصينات في محيطها، بالنظر الى استمرار محاولات التنظيمات المسلحة معاودة السيطرة على الطرق.
محمد ديبا: الجيش والحكومة يسيطران بشكل كامل على الأوضاع في باماكو
وبحسب ديبا، فإن الجيش والحكومة "يسيطران بشكل كامل على الأوضاع، وهناك استعادة للحياة الطبيعية في المدينة (باماكو) بعد أسبوعين من الهجوم الإرهابي مع بعض الحذر". ورأى أن "الأولوية في الوقت الحالي بالنسبة للسلطات المالية موجهة لمعركة تأمين الطرقات والمحاور الحيوية، لمنع الجماعات المسلحة من تحقيق أهدافها، خصوصاً أن هذه الأخيرة (الجماعات) تعتمد منذ شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، على خطة قطع الإمدادات وعزل العاصمة وبعض المناطق الحيوية بهدف عرقلة الحركة التجارية وإضعاف النشاط الاقتصادي، والتأثير على الحياة اليومية للماليين"، بغرض زيادة منسوب الاستياء من السلطة الانتقالية وسياسات الحكومة.
تفسر خطوط الاشتباك في مالي والمعطيات الحالية تركيز العمليات العسكرية والمواجهات المتقطعة في مناطق قرب باماكو ووسط مالي بين الجيش المدعوم بقوات الفيلق الأفريقي وبين تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين، إذ تتقدم وحدات من الجيش المالي، تحت غطاء جوي من المروحيات العسكرية، وتعمل على تأمين مرافقة صهاريج الوقود باتجاه باماكو وباقي المدن، لمنع استهدافها من قبل مقاتلي "نصرة الإسلام". والأسبوع الماضي، تم تأمين مرور أكثر من 800 صهريج وقود دون أن تتعرض لأي هجوم خلال عملية العبور، بينما كانت قوافل تجارية وحافلات مسافرين وصهاريج وقود أخرى قادمة من المغرب ومن موريتانيا، قد تعرضت السبت الماضي، لحواجز واعتراضات من قبل المسلحين منعوا مرورها وأتلفوا حمولة الوقود.
واللافت خلال الفترة الأخيرة في سياق التطورات في مالي، بروز تركيز شديد من كل الأطراف على الجانب الدعائي والإعلامي، حيث عقد وزير الاتصال والاقتصاد الرقمي وتحديث الإدارة في مالي، الحمدو أغ إيليين، الاثنين الماضي، لقاءً موسعاً مع الصحافيين ومدراء وسائل الإعلام في باماكو، لحثهم على مساعدة السلطات لمواجهة "حملات تضليل ومحاولات لزعزعة الاستقرار تستهدف مالي ودول تحالف الساحل" الأفريقي. بالمقابل فضّلت "جبهة الأزواد" الاستعانة بوسائل إعلام فرنسية وعربية سمحت لها وأمنت وصولها إلى الشمال لنقل الصورة وإظهار مستوى سيطرتها على كامل المنطقة، فيما يواصل تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين بث دعايته عبر مؤسسة الزلاقة التابعة له، بشأن نجاحه في قطع طرق الإمداد والسيطرة على بعض المحاور وسط مالي.
