Arab
قيل الكثير في الآونة الأخيرة حول إمكانية أن تكون ليبيا إحدى وجهات الاهتمام الدولي لتعويض نقص الطاقة في السوق العالمية نتيجة أزمة مضيق هرمز، الناجمة عن الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران وتداعياتها. وكانت معظم هذه القراءات تصطدم بحقيقة أن الإنتاج الليبي لا يتجاوز 1.4 مليون برميل يومياً، في وقت تنتج فيه دول الخليج ملايين البراميل يومياً، ما جعل الحديث عن قدرة ليبيا على سد فجوة الطاقة العالمية يبدو أقرب إلى المبالغة السياسية منه إلى الحسابات الاقتصادية الدقيقة. لكن التطورات السياسية الأخيرة قد تشير إلى صحة هذه القراءات من زاوية الدور الذي يمكن أن تؤديه ليبيا في إعادة تشكل خرائط الطاقة في البحر المتوسط، أكثر من ارتباط ذلك بحجم إنتاجها.
في هذا السياق، تبدو التحوّلات في المقاربة الأميركية تجاه ليبيا، التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، جزءاً من هذا المسعى الأوسع. صحيح أن تحركات بولس في ليبيا سبقت اندلاع الحرب على إيران، إلا أن التصعيد في الخليج منح البيت الأبيض فرصة لتسريع هذه المقاربة من أجل ضبط توازنات الطاقة والأمن في جنوب المتوسط، خصوصاً أن الاقتصاد يعد أحد أهم المسارات التي قطع فيها بولس شوطاً واضحاً.
اللافت في المتغيرات الحديثة أنها جاءت في هذا السياق، وآخرها زيارة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الجمعة الماضي لروما، وعقبها أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، حرص الجانبين على "أهمية ترسيخ الاستقرار في ليبيا". وهذا اللقاء جاء بعد يوم واحد من زيارة أجراها رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة لروما ولقائه ميلوني، وهو اللقاء الذي حضر فيه ملف الطاقة بصورة أساسية، بالتزامن مع تطور كبير في ملف الغاز الليبي المتجه إلى أوروبا من طريق إيطاليا، إذ أعلنت روما إرسال محطات طاقة من ميناء رافينا إلى ليبيا، في مؤشر عملي واضح على دخول التنسيق في ملف الطاقة بين الجانبين مرحلة أكثر تقدماً.
بالمجمل، تكمن أهمية ليبيا في قدرتها على منح أوروبا هامش أمان إضافياً في لحظة اضطراب دولي تسبّبت في غضب أوروبي من المغامرات الأميركية في الشرق الأوسط، أكثر من ارتباطها بقدرتها على تعويض نفط الخليج، فأوروبا التي لم تتنفس الصعداء بعد من أزمة الطاقة الناتجة من الحرب الروسية الأوكرانية، تدرك أن استقرار ليبيا بات جزءاً من أمنها القومي، لذلك تبدو واشنطن أكثر ميلاً اليوم إلى دعم ما يمكن وصفه بـ"الاستقرار الوظيفي" في ليبيا، بما يضمن استقراراً نسبياً في جزء من سوق الطاقة الدولي.
