Arab
السائد الآن في واشنطن أنه لا الصفقة الشاملة مع إيران ممكنة، ولا الحل بالقطعة. شروط الأولى غير ناضجة في الوقت الحالي، ولا حتى في المدى المنظور، فيما عناصر الثاني غير متوفرة، ولو بالحدّ الأدنى. كلاهما متعذر في غياب الحسم العسكري الناجز، وانعدام الثقة بين الجانبين. والسائد كذلك، أن الرئيس دونالد ترامب بات مسكوناً بهاجس الخروج من هذه الحرب - الورطة، بصورة أو بأخرى يمكنها أن تحفظ ماء الوجه. صارت عبئاً يلحّ عليه بتدبير مخرج سريع ومقبول، قبل أن تصبح رئاسته رهينة لها.
فبعد 68 يوماً من الأزمة المفتوحة، لا هو قادر على ترجمة التفوق العسكري وصرفه في المفاوضات، خاصة أن الدخول الميداني إلى إيران غير وارد في حساباته خشية الغرق في عراق آخر؛ ولا هو يقوى على التراجع من دون تحقيق أي من حيثيات حربه (تغيير النظام، الصواريخ، وقف تخصيب اليورانيوم مع مصادرة المخصب منه، فضلاً عن الأذرع الإيرانية في المنطقة). وما زاد من ثقل المشكلة على البيت الأبيض، أنه يغالب صعوباتها وتحدياتها من دون مساندة داخلية ولا تحالف خارجي. أكثر من 62% من الأميركيين ضد الحرب. تداعياتها الاقتصادية سرّعت في تآكل وضعه. خصومه في الكونغرس عملوا منها ورقة هجومية انتخابية - سياسية ضده، وسجلوا مكاسب متزايدة ساعدت في إعادة تعويم وضعهم الانتخابي. ولا تخلو وسائل الإعلام النافذة، وصفحات الرأي، وحتى المحسوبة منها على خط الرئيس ترامب، من تسجيل المآخذ على مسار هذه الحرب التي باتت معروفة بأنها "حرب نتنياهو"، في إشارة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي.
لتخفيف الضغوط وتقليل الخسائر، راهن الرئيس ترامب على خيار المفاوضات، ولو أنّ ورقة هرمز أعطت طهران مفتاح التفاوض. تبدّى ذلك في تعاملها مع جولة إسلام أباد الثانية التي تعمّدت طهران نسفها من خلال مغادرة الوزير عباس عراقجي العاصمة الباكستانية من دون انتظار وصول الفريق الأميركي المفاوض، الذي تبعاً لذلك، ألغى سفرته إلى إسلام أباد. مع ذلك، أعربت إدارة ترامب عن حرصها على الاستمرار في المفاوضات، وتشديدها على أن "وقف النار لم ينتهِ بعد"، وفق ما قاله وزير الحرب بيت هيغسيث الثلاثاء، وأن المحادثات "حققت تقدما عظيماً"، بحسب ترامب. وفي لقائه في هذا اليوم مع الصحافة في البيت الأبيض، ذهب وزير الخارجية ماركو روبيو إلى حدّ القول إن "الحرب انتهت". في الوقت ذاته، كانت القراءات والتقديرات تحذر من أن وقف النار يعاني من "الاهتزاز"، وأن الأزمة "طويلة، وليست عابرة، والقوات الأميركية قد تبقى هناك لفترة طويلة".
كان ذلك على ما بدا بمثابة تمهيد للمبادرة الجديدة التي كشف عنها البيت الأبيض الأربعاء، والتي سُميّت بمذكرة "الصفحة الواحدة" التي وصفها بالإطار الذي لو وافقت عليه إيران، سيكون أساساً لمفاوضات تجري لمدة 30 يوماً، تشمل كافة بنود الخلاف، وبما يؤدي إلى "وقف الحرب". بعد إبلاغ طهران بالمذكرة عن طريق إسلام أباد، شاعت التوقعات في واشنطن بأن إيران قد ترد الخميس على المذكرة. وعلى الفور، هبط سوق النفط وارتفعت الأسهم في أسواق المال، وارتفع منسوب التفاؤل في واشنطن، أو بالأحرى إشاعة التفاؤل. لكن بعد مضي ساعات، بدأت تتغير الصورة مع تسرب الردود من طهران. بعضهم، نُسب إليه القول بأنّ العرض "مرفوض"، لأن ما جاء في المذكرة "ليس غير تمنيات أميركية"، ثم تبع ذلك نفي نُسب إلى مسؤول قال إن إيران "لم تردّ بعد".
التضارب جرى تفسيره بأنه يعكس "خلافات" داخل مطبخ القرار الإيراني. وفي كل حال، لم يصدر بعد الرد الرسمي الموعود والمتروك تحديد موعده لطهران. لكن الرد جاء على ما يبدو بضرب مصفاة النفط في الفجيرة في الإمارات. تبعه الخميس استهداف سفينة حربية أميركية، ردت عليها القوات الأميركية باستهداف مواقع إيرانية، مع التشديد على أنّ الرد جاء من باب "الدفاع"، وعلى أن وقف النار "ما زال سارياً"، كما قال الرئيس ترامب. تأكيده عزز الاعتقاد بأن البيت الأبيض حسم بشأن إعطاء الأولوية للمفاوضات، والحرص على ترك قنواتها مفتوحة، حتى ولو حصل خرق لوقف النار.
بذلك، تعتمد واشنطن المداراة، وتشتري الوقت لتبريد الوضع، علّ ذلك يمهّد للعودة القريبة إلى الطاولة، لكن قيام إيران بعمليات عسكرية في نفس اليوم الذي كانت واشنطن تتوقع ردها بصورة إيجابية على المذكرة، ترك الانطباع بأن إيران التي باتت تستقوي بمفتاح هرمز، ربما تكون رست على سياسة تعزّز مناخ "صراع الدّيكة"، بهدف إنهاك خصومها، وتحسين أوراقها في المفاوضات. لكن الخطر هنا، أن هذا الصراع يجري على حافة الهاوية، وبما يهدّد بالأخطر لو حصل خطأ في الحسابات وخرجت الأمور عن السيطرة.

Related News
شركات تجني المليارات من حرب إيران
aawsat
16 minutes ago