Arab
أعلن المبعوث الأميركي مسعد بولس، في الشهر الماضي (إبريل/ نيسان) مبادرة حلّ سياسي لنقل ليبيا من حالة الاحتباس المستمرّ منذ أكثر من عقد، لتمثّل خلاصة مساهمته منذ وصوله إلى ليبيا في يوليو/ تموز 2025، إذ ركّز دوره على دعم بعثة الأمم المتحدة، لكنّه مع تباطؤ مسار "الحوار المُهيكَل"، ظهر المقترح الأميركي لتوحيد الملفَّين الاقتصادي والسياسي. وهنا تبدو أهمّية تناول المُتغيّرات المؤثّرة في المبادرة، وخصوصاً ما يتعلّق باستجابة المؤسّسات الليبية لشروط الوحدة، ومدى تضافر العوامل الخارجية في تحفيز البيئة الليبية على إعادة بناء السلطة وتركيبها.
جاء طرح مبادرة بولس في ظلّ استمرار تزاحم مسارات الحلّ السياسي في ليبيا، لتواجه معضلات الصراع الداخلي والتنافس الدولي. وقد خلص مقال سابق للكاتب ("ليبيا في مسارات مُتزاحمة"، "العربي الجديد"، 12/12/2025)، إلى أنّ تشتّت القوى السياسية يقلّل من فرصة تهيئة المناخ للحلّ السياسي، سواء عبر الانتخابات أو التفاهمات. ومن هذه الوجهة، تقدّم مناقشة المقترح الأميركي وسياقاته مدخلاً للتعرّف إلى قابلية البيئة الداخلية والخارجية للمسار الأميركي، وقدرته على تجاوز التناقضات أو تحييدها.
من حيث المحتوى، يقوم مقترح بولس على محورَين أساسيَّين: الأوّل صياغة أهدافه لوحدة الدولة على قواعد أكثرها أهمّية تعزيز تكامل المؤسّسات العسكرية وقوات الأمن، وتعزيز التعاون بين أقاليم الدولة، وتوحيد الاقتصاد الليبي على أساس الشفافية والمساءلة. أمّا المحور الثاني، فهو يتعلّق بتكوين تحالفٍ واسع من الفاعلين الليبيين والإقليميين، يكون رافعة وحاضنة للعملية السياسية. ومن الناحية الموضوعية، لا يختلف مقترح بولس عن المبادرات السابقة للأمم المتحدة أو الأطراف الإقليمية، فقد دارت كلّها حول اقتراح صيغة لوحدة ليبيا، سواء بدمج المؤسّسات أو عبر الانتخابات، ولذلك، قد تُمثّل مرونة اتصالات الولايات المتحدة مع الأطراف كلّها العامل المرجح لحدوث تغيّر سياسي، والتأثير في الفاعلين في الشؤون الليبية.
جاء طرح مبادرة بولس في ظلّ استمرار تزاحم مسارات الحلّ السياسي في ليبيا، لتواجه معضلات الصراع الداخلي والتنافس الدولي
بعد فترة من تعيينه مستشاراً للشؤون العربية والأفريقية، عمل بولس لتحويل مهمّته من كونها لدعم مسار البعثة الأممية فحسب، لكنّه مع جمود مشروعها للحوار الوطني، قدّم المستشار الأميركي (إبريل/ نيسان) مقترحاً موازياً: توحيد السلطة في ليبيا بتشكيل حكومة مُصغَّرة، يشارك فيها السياسيون من كلّ أنحاء ليبيا. حالياً، تنظر الولايات المتحدة إلى توحيد الموازنة العامة، وإلى مناورات فلينتلوك 2026 (انطلقت في 14 إبريل) المشتركة، بوصفهما خطوتين في إذابة انقسام المعسكرين الشرقي والغربي، والتمهيد لإجراءات تشكيل الحكومة الموحَّدة.
على مستوى صنع السياسات، قامت تحرّكات بولس (كما غيرها من تجارب المسؤولين السابقين) على التواصل مع كلّ الأطراف الليبية؛ حكومة شرق ليبيا وحكومة طرابلس، غير أنّه على خلاف التطلّع لتقريب المواقف، ساعدت هذه السياسة في إرساء تعدّد مصالح شاغلي المناصب الحاليين، فهي قائمة على الاعتراف بمشروعية المسؤولين في وزارة الدفاع والأمن والمؤسّسات العامة.
وبشكل عام، اتسم أداء بولس بطابعين، كان الأول ماثلاً في أنّه على خلاف أهدافه المُعلَنة، تبنّى بولس سياسة تنافسية عندما سعى إلى بناء مسارٍ موازٍ للبعثة الدولية من أجل الاعتماد الكثيف على مساهمة الجهات الأميركية، وخصوصاً القيادة العسكرية الأفريقية (أفريكوم)، لتكون توجّهاته في إطار الانفراد الأميركي بالحلّ السياسي مع بعض المشاورات الإقليمية. أمّا الثاني، فلم يعكس أداؤه تغيّراً نوعياً في السياسة الأميركية، وبقي الركود كما كانت الحال مع المسؤولين الأميركيين السابقين، فقد تراجعت المساهمات والمقترحات عن دعم تجديد شرعية المؤسّسات إلى مستوى البحث عن صيغة لإعادة تركيب السلطات القائمة، وبالإضافة إلى العيوب الداخلية في المقترح الأميركي، يشكّل استمرار المسارات المتزاحمة (حكومة طرابلس، والقيادة العامة، ومشروع البعثة الدولية) منافساً طبيعياً للمقترح الأميركي، وتحدّياً له، إذ تعمل بوصفها فواعلَ سياسية لفرض مسار مختلف، لتقع السياسة في ليبيا تحت عدّة مسارات متنافرة، ما بين خيارات المسار القانوني عبر الانتخابات، وتوسيع دوائر النفوذ، ودمج السلطة القائمة.
اقتصرت مشاورات بولس مع تركيا ومصر على الأبعاد الإجرائية من دون إطار لمناقشة شروط انتقال ليبيا إلى المرحلة الدائمة
على هذه الأرضية، تنحدر تحدّيات المقترح الأميركي من ثلاثة مستويات: يتمثّل الأول في تأثّر السير نحو تشكيل الحكومة الجديدة بمدى المصلحة من التعديل الحكومي. فعلى مستوى الحكومتَين، وبينما يزيد الحُكم الشرقي من تماسكه وقوّته الدبلوماسية، لم تُحرز السلطة في الغرب الليبي تقدّماً في تجانسها السياسي، إذ ظلّت مشروعاتها المؤسّسية مقترحات سياسية لم تجد طريقها إلى التنفيذ. وعلى أساس اختلاف الوضعية السياسية، تتباعد المصلحة من ظهور حكومة مُصغَّرة، وخصوصاً بعد ضمان وصول المخصّصات المالية عبر الموازنة العامّة. وهنا، لا يتصوّر القائمون على السلطة استبعادهم من المرحلة اللاحقة، فعلى سبيل المثال، تتمسّك حكومة طرابلس بخريطة طريق 2021، كما تستند القيادة العامة إلى مشروعية مجلس النواب ومساهمته في بناء سلطة مركزية.
في هذا السياق، لا يتوافر موقف متجانس تجاه المقترح الأميركي، فكما تشهد حكومة طرابلس انقسامات تحول دون بلورة موقفها، تراه الحركات المسلّحة، وقطاع كبير من التيارات الإسلامية، نوعاً من التمكين لمشروع الكرامة، إذ تسير الخيارات المطروحة نحو المزج بين مكوّنات القيادة العامة وحكومة الوحدة الوطنية. وقد أسّست الكيانات المسلّحة في مرزق (جنوب ليبيا) والزاوية ومصراتة، بالإضافة إلى تيّار "يا بلادي"، موقفها على أنّ تجاوز مبادرة بولس للانتخابات يؤسّس لاستمرار الفوضى. وإلى جانب رفض الكيانات الثورية والعسكرية، يظهر خلاف بين حكومة الوحدة والمجلس الرئاسي حول التعامل مع خطّة بولس، فبينما يرى عبد الحميد الدبيبة (رئيس الحكومة) إمكانية تشكيل سلطة جديدة يحتفظ فيها بمنصبه، يرى محمّد المنفي (رئيس المجلس الرئاسي) ضرورة الالتزام بمسار قانوني، تكون فيه التشريعيات الانتخابية وترتيبات المفوضية الوطنية العليا أساسَ المرحلة الانتقالية الجديدة، وهنا، يدور موقف "الرئاسي" حول ضرورة الانطلاق من مسار البعثة الأممية، والالتزام بقرارات الجهات التشريعية.
على مستوى آخر، قدّمت المؤسّسات السيادية (مجلسا الدولة والنواب، والمجلس الرئاسي) تبريرات قانونية لرفض المبادرة، قامت على الاعتداد بالسيادة، والالتزام بالقوانين المحلّية. ومع تماثل المواقف، تبدو الدوافع مختلفة، فبينما تنحاز جهتا التشريع لدعم دورها التقليدي في دعم المسار القانوني، ينطلق المجلس الرئاسي من أرضية البحث عن الاستمرار في مرحلة ما بعد دمج الحكومتَين.
لا تتوافر للمبادرة القدرة على إحداث اختراق في تسوية مصالح الكيانات الليبية، أو تطمين دول الجوار
على أي حال، يمكن قراءة مواقف الأطراف الليبية مؤشّراً على وجود حالة من ضعف القابلية للدخول في تسويات، وعدم الرغبة في تقديم تنازلات لاتخاذ خطوة جديدة نحو المرحلة الانتقالية، لتتكرّر المواقف ذاتها منذ 2021، ما يعكس طبيعة المعضلات المزمنة في تركيبة الكيانات السياسية وتطلّعاتها في الاحتفاظ بدورها في أي تغيير. أمّا المستوى الثاني من التحدّيات، فيتمثّل في استمرار تزاحم المسارات السياسية، وبقائها من دون تحقيق إنجاز. فإلى جانب شدّة التنافس على الشرعية ما بين الغرب والشرق، ظلّت خريطة طريق البعثة الدولية تراوح مكانها، ومن دون تجاوز "الحوار المُهيكَل"، وبهذا المعنى، تظلّ القيود والموانع قائمة أمام الاستجابة لمقترح إجرائي، تقوم معاييره على خفض عدد المشاركين في السلطة، وليس ابتكار صيغة لتجديد الشرعية. وفي السياق ذاته، يتعلّق المستوى الثالث من التحدّيات، فيتمثّل في النظرة الأميركية إلى الدول الإقليمية، بوصفها أصحابَ مصالح هامشية، إذ تقتصر مشاورات بولس مع تركيا ومصر على الأبعاد الإجرائية من دون وجود إطار لمناقشة شروط انتقال ليبيا إلى المرحلة الدائمة. وبالرغم من أهمية المشاركة في المناورات العسكرية، فإنّها لا توفّر إجابة كافية عن تحفّظات مصر أو تركيا بشأن شمول المبادرة القوى الليبية كلّها، أو تهدئة النشاط العسكري الروسي.
وفي تأثير غير مباشر، قد يساعد إعلان الولايات المتحدة انتهاء العملية العسكرية ضدّ إيران، من دون إنجاز واضح، في منح التعاون الإقليمي فرصة أوسع في صياغة منظور للأمن الإقليمي، ومن هذه الوجهة، يمكن للدول الإقليمية الاضطلاع بدور مؤثّر في الترتيبات السياسية. ويمكن الإشارة، هنا، إلى انخراط كلّ من مصر وتركيا في التدريبات العسكرية، ضمن سياقات تحسين الشراكة مع الولايات المتحدة.
على أي حال، يمكن القول إنّ مشكلة مبادرة بولس لا تقتصر على تحدّيات البيئة المحلّية أو الدولية، بقدر ما تكمن المشكلة في طبيعتها الإجرائية، وفي ضعف قابليتها لإنتاج مصالح من التسويات المُستهدَفة، إذ لا تتوافر لها القدرة على إحداث اختراق في تسوية مصالح الكيانات الليبية، أو تطمين دول الجوار، ولهذا تتراجع احتمالية أن تكون موضوع توافقٍ سياسي يكافئ تحدّيات انقسام الليبيين واختلاف المصالح الدولية.

Related News
استنفار حربي بين السودان وإثيوبيا
alaraby ALjadeed
9 minutes ago