Arab
طرح أكاديميان مصريان بارزان دعوة غير تقليدية لإبرام ما يشبه "مصالحة اقتصادية" في مصر مع أصحاب الأموال المكتنزة خارج الجهاز المصرفي، بما في ذلك الثروات المهربة أو غير المعلنة، عبر تقديم ضمانات من الحكومة بعدم الملاحقة القانونية لهم في المستقبل، مقابل إعادة ضخ هذه الأموال في الاقتصاد المحلي، في وقت تواجه فيه مصر ضغوطاً حادة على العملة الأجنبية وتباطؤاً اقتصادياً متزايداً بفعل الاضطرابات الإقليمية. وجاءت الدعوة خلال ندوة نظمتها الحركة المدنية الديمقراطية مؤخراً، لمناقشة تداعيات الحرب في الخليج على الاقتصاد المصري.
وقال أستاذ التمويل بجامعة القاهرة وخبير الاستثمار حسن الصادي، إن حجم النقد والسيولة خارج القطاع المصرفي، أصبح يفوق ما هو داخل البنوك، معتبراً أن الاقتصاد غير الرسمي تحول إلى أحد أكبر معوقات استقرار السوق النقدية. وأضاف الصادي أن تقديرات المؤسسات الدولية تشير إلى أن نحو 45% من الاقتصاد المصري يعمل خارج الإطار الرسمي، بينما تُكتنز كميات كبيرة من الدولار والسيولة داخل المنازل أو السوق الموازية بعيداً عن البنوك. ودعا الصادي الحكومة إلى تبني "سياسات تطمين" تسمح بإدخال هذه الأموال إلى الجهاز المصرفي دون مساءلة عن مصادرها، قائلاً إن الدولة يجب أن تركز على تحصيل الضرائب وتحريك الاقتصاد بدلاً من "مطاردة رؤوس الأموال"، على حد تعبيره.
واقترح الصادي أن تُمنح حوافز وضمانات قانونية ومصرفية، تسمح بعودة الأموال المكتنزة إلى الدورة الاقتصادية الرسمية، مشيراً إلى أن ضخ هذه السيولة قد يخفف الضغط على سعر الصرف ويقلص الطلب على الدولار في السوق الموازية ويمنح البنوك وفرة نقدية تساعد على خفض الفائدة. وقال إن "السياسات السليمة وحدها قادرة على جذب هذه الأموال خلال أشهر قليلة"، مضيفاً أن إدخال الكتلة النقدية غير الرسمية إلى البنوك "قد يغير شكل السوق بالكامل". في السياق نفسه، ذهب خبير الاجتماع السياسي عمار علي حسن إلى أبعد من ذلك، داعياً السلطات إلى ما وصفه بـ"الخروج الآمن للنقود"، عبر تشريع يسمح بعودة الأموال المهربة إلى الخارج على مدار السنوات الماضية، دون ملاحقات أو تحقيقات.
تسويات استثنائية مع أصحاب الأموال
واعتبر حسن أن الاقتصاد المصري يمر بمرحلة تستوجب "تسويات استثنائية". وقال إن تقديرات الأموال المصرية المهربة إلى الخارج من مؤسسات دولية ومحلية تصل إلى نحو 92 مليار دولار، وهو رقم يفوق الاحتياطي النقدي الحالي للبلاد، مضيفاً أن استعادة جزء من هذه الأموال فقط قد يمنح الاقتصاد "استقراراً ويخفف حدة أزمة السيولة الأجنبية. وربط حسن بين مبادرة "الخروج الآمن للنقود" وبين رؤيته الأوسع لطبيعة الأزمة الاقتصادية في مصر، معتبراً أن المشكلة الأساسية ليست فقط في الفساد المالي، وإنما في خروج الأموال من دورة الاقتصاد المحلي برمته، إذ يجري تهريبها خارج البلاد، على يد لصوص المال العام وشبكات التهريب، دون أن يستفيد منها الوطن بأي طريقة.
وقال إن الأموال المنهوبة إذا أُعيد استثمارها داخل البلاد "قد تتحول مع الوقت من نزيف إلى ميزة"، ضارباً مثالاً بموظف يختلس أموالاً ثم يعيد ضخها في مشروع إنتاجي محلي بما يوفر وظائف ويخلق نشاطاً اقتصادياً. جاءت تصريحات الصادي وحسن، لحل مشكلة عزوف بعض المستثمرين وأصحاب السيولة النقدية" والدولارات عن إدخال أموالهم إلى الاقتصاد الرسمي، بعد أن تبنى عدد كبير من رجال الأعمال والمحامين، دعوات الابتعاد عن وضع أموالهم في البنوك والاقتصاد الرسمي خشية وضعهم بقوائم تجميد الأموال والأصول لصالح الضرائب والتأمينات والمرور بدون إخطار مسبق بناء على تقارير من الجهات الحكومية، بعضها لا يستند لحكم قضائي مسبق.
وتأتي هذه الدعوات في وقت تواجه فيه مصر تحديات متصاعدة تشمل ارتفاع الدين الخارجي، ونقص العملة الأجنبية، وضغوط التضخم، وتراجع إيرادات قناة السويس والسياحة بفعل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والعمليات العسكرية في المنطقة، مع تصاعد الجدل داخل الأوساط الحكومية والأكاديمية والأحزاب حول كيفية التعامل مع الاقتصاد الموازي، الذي توسع خلال السنوات الماضية مع فقدان الثقة في سعر الصرف وتزايد الاعتماد على الدولار الذي بلغ نحو 54 جنيهاً، والذهب والمعادن النفيسة بوصفها أدوات ادخار خارج النظام المصرفي.
مع ذلك آثار الطرح تساؤلات حساسة تتعلق بمركزية الدولة في مكافحة الفساد وغسل الأموال والعدالة الضريبية، فأي تسوية واسعة مع أصحاب الثروات غير المعلنة قد تُفسر باعتبارها عفواً ضمنياً عن ممارسات غير قانونية، ويمكن أن تضع مصر في القائمة الرمادية أو السوداء للدول التي يشوب اقتصادها عمليات غسل الأموال. ويرى اقتصاديون أن نجاح مثل هذه الخطط يتوقف على قدرة الدولة على استعادة الثقة في النظام المصرفي والسياسات النقدية، وتوفير بيئة قانونية مستقرة تضمن عدم تعرض أصحاب الأموال لإجراءات مفاجئة أو تغييرات حادة في قواعد السوق.
في سياق متصل رصد" العربي الجديد" مناقشات دائرة في مجلسي النواب والشيوخ "البرلمان" حول مشروع الموازنة المصرية للعام المالي 2026-2027 عن تصاعد الضغوط المالية التي تواجهها الدولة، بالتوازي مع تشديد إجراءات التحصيل الضريبي والحجز الإداري على بعض أصحاب الشركات والمودعين، في محاولة لتعزيز السيولة والإيرادات العامة داخل اقتصاد يعاني أعباء دين ضخمة. ووضعت الحكومة سقفاً للدين العام لأجهزة الموازنة العامة عند 19.1 تريليون جنيه (نحو 356 مليار دولار) بما يعادل 78.1% من الناتج المحلي الإجمالي، استجابة لضغوط صندوق النقد، بعد أن بلغ حجم الديون الحكومية نحو 5.4 تريليون جنيه، اعتبرها تشكل مخاطر عالية الضمانات.
تزايد حالات التحفظ على الحسابات البنكية والأصول في مصر
في السياق، تحدث محامون ورجال أعمال على منصاتهم بوسائل التواصل، عن تزايد حالات التحفظ على الحسابات البنكية والسيارات والأصول، مؤكدين أنها تجرى عبر إجراءات إدارية وليس قضائية، مرتبطة غالباً بالضرائب المتأخرة أو فروق الفحص أو ضريبة القيمة المضافة أو النزاعات التقديرية مع مصلحة الضرائب. وتشمل الإجراءات، الحجز الإداري أو منع التصرف أو تجميد بعض الأصول، بما يمنع البيع أو نقل الملكية أو التعامل على الحسابات البنكية والسيارات والعقارات، استناداً لقوانين تمنح المصالح الحكومية مثل الضرائب والتأمينات الإجتماعية وإدارات المرور، صلاحيات واسعة لتحصيل المتأخرات إذا اعتبرت أن هناك تهرباً ضريبياً أو امتناعاً عن السداد أو خطراً من تهريب الأصول.
ومن أكثر الشكاوى تداولاً، التحفظ على الحسابات البنكية، وتجميد التعامل بفرض "بلوك" على السيارات، ومنع نقل الملكية، وإدراج شركات أو أصحابها في قوائم المنع من التعامل بالبنوك والجهات الرسمية بالدولة، إضافة إلى مطالبات ضريبية بأثر رجعي وتقديرات جزافية مرتفعة. ويربط كثير من المحامين ورجال الأعمال هذه الإجراءات بحاجة الدولة المتزايدة للسيولة في ظل ضغوط الدين وتراجع الإيرادات الدولارية، واتجاه الحكومة إلى توسيع القاعدة الضريبية ورفع معدلات التحصيل، خاصة بعد تكثيف حملات دمج الاقتصاد غير الرسمي والرقمنة الضريبية والفاتورة الإلكترونية وربط قواعد البيانات البنكية والتجارية والجمركية.
ويرى قانونيون أن التطبيق العملي لقرارات الجهات الحكومية يؤدي أحياناً إلى تجميد نشاط شركات وتعطيل استثمارات وإثارة مخاوف بين أصحاب الأموال من إدخال سيولتهم إلى النظام المصرفي، خوفاً من الفحص الضريبي المفاجئ أو تجميد الأموال أو الملاحقات. في المقابل، تؤكد الحكومة أن تشديد التحصيل الضريبي ضروري لتحقيق العدالة الضريبية ومنع التهرب، خاصة في اقتصاد يعاني عجزاً مزمناً واحتياجات تمويلية ضخمة. وتظهر أرقام مشروع الموازنة الجديدة حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة، إذ يبلغ اجمالي المصروفات نحو 5.2 تريليونات جنيه، تستحوذ فوائد الدين وحدها على 2.42 تريليون جنيه منها، بما يمثل 46.7% من إجمالي الإنفاق، وهي النسبة الأكبر بفارق واسع عن بقية البنود.
ويرى الخبير الاقتصادي أحمد خزيم، أن تركيبة الدخل العام المتراجع والديون الصاعدة، تعكس ما وصفه بـ"الدائرة الجهنمية"، إذ يذهب ما يقرب من نصف الإنفاق الحكومي لسداد فوائد الديون فقط، بما يفرض الحاجة إلى مزيد من الاقتراض أو إعادة تدوير الديون القديمة. وأكد لـ"العربي الجديد" أن الاقتصاد المصري في "حلقة مغلقة" تقوم على ديون جديدة ثم فوائد مرتفعة ثم تضخم ورفع أسعار واتساع للعجز، قبل العودة مجدداً إلى الاقتراض، بما يحد من قدرة الدولة على توجيه موارد كافية للإنتاج والصناعة والتعليم والصحة وخلق فرص العمل.
وأضاف أن الاقتصاد المصري يواجه معادلة معقدة بين الحاجة إلى تحصيل الإيرادات وخدمة الدين والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وبين محاولة جذب السيولة المكتنزة خارج النظام المصرفي وإعادة تدويرها داخل الاقتصاد الرسمي دون إثارة مخاوف المستثمرين وأصحاب الأموال.
(الدولار= 53.6 جنيهاً مصرياً تقريباً)

Related News
«لا ليغا»: سيلتا فيغو يعود للانتصارات بثلاثية في إلتشي
aawsat
2 minutes ago
«دورة مدريد»: سينياكوفا وتاونسند تحققان لقب زوجي السيدات
aawsat
12 minutes ago