Arab
تشكّل مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع في أعمال القمة الأوروبية في قبرص، في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، محطة مهمة على طريق بناء شراكة جديدة مع الاتحاد الأوروبي والدول المتوسطية الشرق أوسطية. ومن عنوان القمة "إنقاذ الصيف"، يتضح أن الحرب على إيران هي التي فرضتها، والدليل على ذلك أن مسألة أمن الطاقة كانت البند الأول على جدول الأعمال، من منظور أن سورية يمكن لها أن تتحول إلى رابط بري بين أوروبا والضفة المقابلة من البحر الأبيض المتوسط، والخليج العربي، والعراق، والأردن. ووفق تقارير إعلامية عربية ودولية، ركزت المناقشات في القمة على توحيد السياسات الأوروبية لتخفيف آثار الأزمة على الأسعار والإمدادات، وتنويع مصادر الطاقة، وتجنب "صيف كارثي" اقتصادياً، إلى جانب قضايا دولية أخرى مثل الأمن المشترك.
دور سورية المتنامي
حضور الشرع إلى جانب رئيسي مصر عبد الفتاح السيسي ولبنان جوزاف عون وولي عهد الأردن الحسين بن عبد الله، والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي، يأتي في سياق اهتمام الاتحاد الأوروبي باستقرار الجوار الجنوبي من جهة، ومن جهة أخرى أن أوروبا لم تعد ترى سورية ملفاً إنسانياً فقط، بل ملفاً استراتيجياً، وهذا يعني أنها لا تريدها هادئة فقط، بل مستقرة اقتصادياً وسياسياً وأمنياً. ويعود ذلك إلى عدة عوامل مهمة من بينها موقعها الجيوستراتيجي في قلب الشرق الأوسط، وهو ما يؤهلها لأن تكون نقطة ربط بين عدة بلدان وجغرافيات متنوعة، كما أنها طرف أساسي في الصراع منذ قيام دولة إسرائيل التي يولي الاتحاد الأوروبي أهمية خاصة لأمنها، وكذلك جوارها مع لبنان والعراق والأردن، وكونها كانت حليفة لإيران على مدى أكثر من أربعة عقود. وقد خرجت سورية الآن من هذا المحور، وباتت رقماً مستقلاً، وطرفاً مؤثر في الأمن الإقليمي، ولها حضور في المدى المنظور في عدة ملفات تهم أوروبا مثل الهجرة واللاجئين والأمن الإقليمي والإرهاب وأمن الطاقة، في ضوء البحث عن بدائل لمضيق هرمز.
أوروبا تحتاج إلى سورية بقدر ما تحتاج سورية إلى أوروبا
ومن المعروف أنه سبق القمة عدة تصريحات طرحت سورية على أنها ممر محتمل للطاقة، وهو ما يفسر الاهتمام الخاص بسورية مقارنة بدول أخرى. وأول من أثار هذه المسألة كان المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توم برّاك بقوله "ينبغي إيجاد بدائل لمضيق هرمز... ويمكن لسورية أن تلعب دوراً عبر الأنابيب"، وفي توضيح لاحق لم يطرح سورية بديلا كاملا، بل جزءاً من الحل لأزمة الطاقة. وتلا ذلك صدور تقارير غربية تحدثت عن خطط لتحويل سورية إلى ممر طاقة يربط الخليج وتركيا وأوروبا (ما يُعرف باسم البحار الأربعة)، وقد ترافق هذا الأمر مع عبور شحنات نفط عراقية عبر سورية من حقول كركوك العراقية إلى مدينة بانياس على الساحل السوري التي تمتلك مصفاة وميناء لتصدير النفط، ما يعني فتح الباب لاستخدامها ممراً بديلاً جزئياً للطاقة، وشكل ذلك مدخلاً لإعادة فتح معابر حدودية لتعزيز النقل التجاري والنفطي بعيداً عن هرمز. وقد عكس ذلك حالة من التكيّف السريع مع ظروف استثنائية. العراق يبحث عن منفذ، وسورية عن دور، وضمن معادلة تقاطع المصالح، تتم هندسة وضع جديد في المنطقة يقوم على إيجاد قواسم مشتركة في لحظة الضرورة. وعلى اعتبار أن كركوك ترتبط مع بانياس بخط أنابيب يعود إلى خمسينيات القرن الماضي، فإن التاريخ يعيد نفسه بتجاوز خلافات السياسة التي قطعت هذا الشريان عام 2003. وعلى هذا يجري العمل للانتقال من نقل النفط العراقي بالشاحنات في حل مؤقت، على إعادة تأهيل الخط البري الذي تبلغ طاقته 800 ألف برميل يومياً.
طرح الشرع في تصريحاته في القمة سورية بوصفها ممراً للطاقة، وقال إن "سورية شريان بديل لأمن إمدادات الطاقة"، ودعا إلى تعزيز التعاون وربط سورية بأوروبا، وقد رأت أوساط مراقبة في ذلك عرضاً سياسياً اقتصادياً في سياق "أوروبا تحتاج إلى سورية بقدر ما تحتاج سورية إلى أوروبا"، وبذلك يمكن تفسير طلب الرئيس السوري بأنه يطمح إلى المزيد من تخفيف العقوبات على سورية، وتقديم استثمارات منظورة، وتحويل الاعتراف السياسي الذي حظي به بعد إسقاط نظام بشار الأسد إلى علاقة شراكة مبنية على التزامات واضحة تسير في الاتجاهين، وليس من خلال النظر إلى سورية مصدر أزمة ولاجئين. وما يفسر ذلك أن صيغة الدعوات إلى القمة خضعت لتعديلات فرضتها تطورات المنطقة، إذ كان من المقرر إشراك دول "مبادرة ميثاق المتوسط"، قبل أن يجري تقليص قائمة المدعوين بما يتناسب مع أولويات المرحلة، على أساس أن الشرق الأوسط يمثل جواراً مباشراً للاتحاد، وأن أمنه يرتبط عضوياً بأمن أوروبا، في إشارة إلى تداخل ملفات الهجرة والطاقة والاستقرار الإقليمي.
على الضفة الأخرى، ترى أوساط إعلامية أوروبية في دعوة الشرع إلى القمة دليل اهتمام بسورية يتجاوز ملف اللاجئين الذي تعد ألمانيا حاملاً للقسط الأكبر من أعبائه لكونها استقبلت قرابة مليون سوري فرّوا من الحرب على بلدهم، وقد حصل بعضهم على الجنسية الألمانية وقسم كبير منهم بات مقيماً بصورة شرعية واندمج في سوق العمل الألماني، وبقي عدد كبير في منطقة وسطى يتراوح بين الإقامة الدائمة، والعودة إلى بلدهم. وقد كان ذلك بنداً أساسياً على جدول أعمال زيارة الشرع إلى برلين في الشهر الماضي، حيث تركز النقاش على ضرورة إيجاد حل يناسب الأطراف كافة.
بدء الحوار على أسس سياسية مع سورية مؤشر على توجّه أوروبي لإدماجها ضمن آليات وسياسات الاتحاد الأوروبي الخاصة بالشراكة وبروتوكولات الجوار، وهذا تطور مهم، يعود السبب فيه إلى اهتمام بدورها الإقليمي على غرار ما هو حاصل بالنسبة لبقية دول الشرق الأوسط القريبة كمصر ولبنان والأردن، حيث تحكم العلاقات سلسلة من الالتزامات الأوروبية لجهة تقديم كافة أشكال الدعم من أجل تمكين هذه الدول من بناء الاستقرار والتنمية. لكن الحوار مع سورية تم من دون وعود باستثمارات أو رفع كلي للعقوبات، يعني أنها ستبقى تحت الاختبار والاستكشاف الأوروبي لفترة محددة، من دون دفتر شروط محددة على غرار الدول المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، بل لائحة مواصفات، تتداخل فيها المصالح المتبادلة بالالتزامات الخاصة بالانفتاح وحقوق الإنسان والاقتصاد الحر.
السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي العقبات، والقواسم المشتركة بين الطرفين؟ وتكمن الإجابة في ما يريد الشرع من أوروبا وما تريده الأخيرة من سورية. ومهما يكن من أمر، يشكل الاستقرار نقطة الالتقاء، وهو لا يقف عند الأمن، ومحاربة الإرهاب، وضبط الهجرة، بل يذهب نحو السياسة والاقتصاد. وبغض النظر عن نتائج القمة والاعتراف بدور سورية وسلطة الشرع، فإن كل ما حصل لا يشكل تحولاً جذرياً بعد، بل بداية مرحلة من الاختبار، أوروبا تريد التأكد من أن سورية الجديدة يمكن أن تسير إلى الأمام من دون هزات كبيرة كما حصل في الساحل والسويداء، وبالنسبة لسورية فهي تنتظر من أوروبا إجراءات ملموسة لتقديم استثمارات ومساعدات تحدث فارقاً في الحال الراهن، حيث تعيش الغالبية العظمى من السوريين تحت خط الفقر، وهذا يمثل مخاطر كبيرة ليس فقط لسورية، بل لجوارها الإقليمي والمتوسطي، البلد غير محصن من الانفجار لأسباب اقتصادية، مما يستدعي مساعدته على تجاوز المرحلة الصعبة، كي يتمكن من الاعتماد على نفسه.
أوروبا تريد التأكد من أن سورية الجديدة يمكن أن تسير إلى الأمام من دون هزات كبيرة
العقبات أمام التطور السوري
العقبات التي تواجه سورية تتلخص بتدني القدرة الشرائية لتلبية أبسط متطلبات الحياة والحصول على خدمات الكهرباء والمياه النظيفة والصحة، ورفع آثار الدمار وإعادة البناء، وهذا ملف لم يتحرك من مكانه حتى الآن، ولا تزال مساحات حضرية واسعة على الأرض ومنها المدن المحيطة بدمشق مثل دوما وداريا وجوبر، وذلك يحتاج إلى جهد ودعم دولي وإقليمي. والتحدي الآخر هو اللاجئون. ورغم أن عدد الذين عادوا بعد سقوط النظام يقارب مليوني شخص من تركيا ولبنان والأردن، فإن هناك أكثر من مليون في أوروبا ومثلهم في مخيمات اللجوء في الداخل، لا يزالون ينتظرون إعادة الإعمار كي يعودوا إلى منازلهم. وهناك عقبة لا تقل أهمية وهي تحقيق الاستقرار الأمني على كامل الجغرافيا السورية، حيث لا تزال مساحات كبيرة خارج سلطة الدولة مثل السويداء، كما أن القوات التركية لم تنسحب من شمال غرب سورية، وهذا أمر يجري النظر إليه من قبل الأوروبيين على أنه مصادرة للسيادة السورية. وبالإضافة إلى ذلك هناك محاربة الإرهاب، ويسود الاعتقاد بأن "داعش" لا يزال يشكل تهديداً عن طريق خلاياه النائمة في البادية ومناطق في الشرق.
أحد أبرز الملفات الخلافية هو الاستقرار السياسي وهو شرط أساسي من أجل إرساء علاقات كاملة بين سورية والاتحاد الأوروبي، ومن دون تحقيق جملة من الخطوات ستبقى دمشق تحت الاختبار. وفي نظر أوساط أوروبية فإن ما جرى منذ إسقاط نظام الأسد هو إدارة للأزمة، وما هو منتظر السير في طريق حلها. ولا يمكن لذلك أن يتحقق من دون إرساء استقرار مؤسساتي، يقوم على قوانين واضحة، ووضع آلية لاستقرار سياسي تدريجي يقوم على المشاركة والانفتاح، وهذا يخلق بيئة لعودة اللاجئين والاستثمار والشراكات، وبالتالي فإن الهدوء وحده لا يكفي، وهو يشكل مدخلا للاستقرار وهنا تكمن المهمة الصعبة.

Related News
ميسي وإنتر ميامي يهدران تقدماً بثلاثية نظيفة على أورلاندو
aawsat
17 minutes ago