Arab
يبدو الاقتصاد العالمي اليوم مثل الذي تسلق شجرة عالية هرباً من فيضانات الأزمات المتلاحقة، لكنه علق فوق أغصانها المهتزة، فلا هو قادر على النزول إلى أرض الاستقرار، ولا الغصن الذي يستند إليه بمأمن من الانكسار. هذه الحالة من "الأوضاع العالقة" ليست نتاج صدفة، بل هي الثمن الباهظ لحالة "اللاحرب واللاسلم" التي تهيمن على منطقة الخليج وممراتها المائية، حيث تحول مضيق هرمز وباب المندب من شريانين للحياة إلى ساحتي تجاذبات جيوسياسية وضعت العالم بأسره في حالة حبس أنفاس.
المشكلة الحقيقية اليوم ليست في اندلاع حرب شاملة وأكثر شراسة فحسب، بل في "استدامة القلق". فالنفط والغاز، اللذان يمثلان عصب الصناعة العالمية، لم يعودا يخضعان لقوانين العرض والطلب التقليدية، بل باتا "رهينة" للتصريحات العسكرية والمناورات في مياه الخليج. إن إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي من السائل الحيوي، يرفع علاوة المخاطر في الأسعار بشكل لحظي، مما يدفع التضخم العالمي لمستويات تعجز البنوك المركزية عن كبحها.
أما قطاع الشحن البحري، فقد دخل "نفق التكاليف المظلم". اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وبحر العرب أجبر السفن على اتخاذ مسارات بديلة أطول وأكثر كلفة، مثل طريق رأس الرجاء الصالح، مما يعني زيادة في زمن الرحلات وتضاعف فواتير التأمين والوقود. هذه التكاليف لا تدفعها شركات الملاحة، بل تُحمل مباشرة على كاهل المستهلك النهائي، ليزداد المشهد تعقيداً فوق الشجرة العالمية.
الخسائر لم تعد أرقاماً عابرة، بل هي نزيف هيكلي. خليجياً، نجد أن خطط "التنويع الاقتصادي" الطموحة تواجه تحدي "الصورة الذهنية التي سبقت الحرب"؛ فالمستثمر الأجنبي يبحث عن الاستقرار قبل العائد، وحالة التأهب المستمرة ترفع كلفة المشروعات الكبرى. وعربياً، تعاني الدول المستوردة للنفط والسلع (مثل مصر والأردن وتونس) من ضغوط هائلة على موازناتها المنهكة أصلاً، حيث تلتهم فروق أسعار الطاقة والقمح ما تبقى من احتياطاتها النقدية.
أما السيناريو الأصعب والأسوأ والأخطر فهو "الانفجار" حيث ستؤدي غلطة حربية حسابية واحدة إلى انزلاق الجميع نحو مواجهة شاملة تُسقط الاقتصاد العالمي من فوق الشجرة
دولياً، يواجه الاتحاد الأوروبي والصين معضلة تأمين سلاسل الإمداد. فأي اضطراب في موانئ الخليج يعني تعطل المصانع في القارة العجوز، وتباطؤ نمو المارد الصيني الذي يعتمد بشكل أساسي على الطاقة الخليجية، مما يضع الاقتصاد العالمي أمام شبح "الركود التضخمي" الذي لم يشهده منذ عقود. وخفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي في تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي"، محذرًا من أن اتساع نطاق الحرب في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي حاد وارتفاع معدلات التضخم، مشيرا إلى أن النمو الاقتصادي العالمي من المتوقع أن يبلغ 3.1% في عام 2026.
وأمام استمرار حالة اللاحرب واللاسلم لفترة طويلة، تبرز ثلاثة سيناريوهات للتعامل مع الواقع الجديد: السيناريو الأول يتمثل في "المسارات البديلة"، وهو ما نشهده الآن من تسريع العمل في موانئ خارج "نطاق الصدام"، مثل موانئ شرق اليمن (بروم وقرمة)، أو التوسع في خطوط أنابيب النفط التي تتجاوز المضائق المهددة باتجاه بحر العرب والبحر الأحمر، وهو حل مكلف زمنياً ومادياً لكنه ضرورة أمنية، وهذا السيناريو صعب وتواجهه تحديات ويحتاج إلى وقت كبير لتنفيذه.
السيناريو الثاني يتمثل في "التأقلم المر" حيث تضطر الدول إلى بناء احتياطيات استراتيجية ضخمة من الطاقة والسلع تكفي لأشهر طويلة، مع قبول معدلات تضخم مرتفعة كأمر واقع، وتحويل الميزانيات من التنمية إلى "تأمين المسارات" وحماية الأمن الغذائي، وهذا المسار سينعكس سلبا على مختلف القطاعات الاقتصادية ومعيشة الناس. أما السيناريو الأصعب والأسوأ والأخطر فهو "الانفجار" حيث ستؤدي غلطة حربية حسابية واحدة إلى انزلاق الجميع نحو مواجهة شاملة تُسقط الاقتصاد العالمي من فوق الشجرة مباشرة إلى قاع الهاوية.
ومن هنا، فإن أفضل حل هو اندفاع الأطراف المتصارعة والمجتمعين العربي والدولي نحو وقف نزيف الخسائر عبر تسوية شاملة تُعيد صياغة أمن المنطقة بعيداً عن منطق الابتزاز الملاحي.

Related News
«إن بي إيه»: فلاغ لاعب دالاس يحرز جائزة «روكي»
aawsat
6 minutes ago