Arab
تتصاعد في بريطانيا التحذيرات من الآثار النفسية القاسية التي يعيشها طالبو اللجوء داخل فنادق الإيواء التي تحوّلت الإقامة المؤقتة فيها إلى عزلة طويلة تُنهك النفس وتُضعف الأمل. وتضرر كثيرون من هذا الواقع، في حين لا يبدو أن السلطات تنوي معالجة الأزمة، بل يُرجح أنها تعيد توزيعها عبر نقل لاجئين إلى مواقع أخرى.
عاد ملف إيواء طالبي اللجوء في الفنادق البريطانية إلى الواجهة بعدما أغلقت وزارة الداخلية في 15 إبريل/ نيسان الجاري 11 فندقاً استخدمت لهذا الغرض وتحدثت عن إغلاقات إضافية لاحقاً، لكن هذا التراجع العددي لا يعني بالضرورة انحسار المعاناة، إذ لا يزال نحو 185 فندقاً قيد الاستخدام، وتشير تقارير إلى نقل بعض المقيمين إلى مواقع جماعية أخرى، من بينها معسكر كروبره العسكري في إيست ساسكس، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الأزمة تُحل فعلاً أم يُعاد توزيعها في أماكن مختلفة.
وتتبدل الصورة عند الاقتراب من تفاصيل الحياة داخل هذه الفنادق، وتُظهر شهادات طالبي لجوء في بريطانيا أن يومياتهم في فنادق الإيواء ليست مجرد انتظار إداري، بل تجربة مريرة تُعمّق العزلة والاضطرابات النفسية، وتحرمهم من الشعور بالاستقرار والكرامة. وتؤكد مؤسسة الصحة النفسية البريطانية في تقرير أصدرته في إبريل/ نيسان 2025 أنّ هذا النمط من الإقامة يُفاقم الاضطرابات النفسية، خصوصاً لدى النساء والأطفال.
وأشارت مؤسسة "هيلين بامبر" التي تُعنى بدعم الناجين من التعذيب والعنف النفسي، في تقرير أصدرته في يونيو/ حزيران 2024، إلى أنّ المقيمين في هذه الفنادق يعانون من مستويات مرتفعة من القلق والاكتئاب نتيجة الاكتظاظ وغياب الأمان. وأوردت صحيفة "ذي غارديان" في 13 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي خبر وفاة طالب لجوء ألباني يدعى ليونارد فاروكو على متن عبارة "بيبي استوكهولم" بعد نقله إليها، رغم تحذيرات سابقة من سوء حالته النفسية، إذ خلص التحقيق إلى أنه كان يحتاج إلى تقييم وعلاج عاجل، ولم يحصل على أيّ منهما قبل وفاته.
يمضي اللاجئون أيامهم داخل غرف ضيّقة تحوّلت إلى عالم كامل يفتقر إلى الخصوصية واليقين. وتتحدث المديرة التنفيذية لمنظمة "سولاس" التي تقدم الدعم النفسي للاجئين وطالبي اللجوء في منطقة يوركشاير وهامبر كاثرين أشورت لـ"العربي الجديد" عن أنها تلاحظ يومياً الأثر القاسي للحياة في فنادق الإيواء على الصحة النفسية للمقيمين فيها. تضيف: "أرى التأثير المباشر للظروف المروعة التي يعيشها طالبو اللجوء، سواء في الفنادق أو المساكن، والمشكلة أنهم يعيشون في غرف مشتركة أشهراً طويلة من دون أي فكرة عن موعد مغادرتهم، وأكثر ما يدمّرهم نفسياً هو هذا الغموض المستمر. تقع فنادق عدة في مناطق معزولة عن الخدمات الأساسية، ما يجعل الحياة أكثر قسوة. وفي بعض الحالات، يحتاج طالبو اللجوء إلى إنفاق نصف دخلهم الأسبوعي من أجل دفع ثمن تذكرة حافلة للوصول إلى مركز للدعم أو خدمة العلاج. هذه ليست حياة كريمة، بل عزلة مفروضة. أيضاً يتعدى جوهر المشكلة ضيق المكان وسوء الخدمات، ويطاول بنية النظام نفسه. كي يتعافى الإنسان من الصدمة، يجب أن يكون في مكان آمن ويشعر بالأمان، لكن النظام الحالي غير مصمّم لهذا الغرض، فهو عدائي وغير مريح ولا يرحّب بطالبي اللجوء".
وتشير إلى أنّ "الاحتجاجات التي شهدتها بعض فنادق الإيواء في بريطانيا في الأشهر الماضية عمّقت الإحساس بانعدام الأمان والخوف وأنهم غير مرغوب بهم. ويغذي الخطاب العدائي في الإعلام والسياسة هذه المشاعر. وتُظهر الأبحاث أنّ الأشخاص الذين لا يُستمع إليهم يصبحون أكثر عرضة لتصديق الأفكار السهلة والمضللة التي تُلقي اللوم على الآخرين. ندعو إلى إعادة النظر جذرياً في طريقة إدارة ملف السكن ومشاركة كل المجالس المحلية والمجتمعات المدنية في صنع القرار، إذ يجب أن تكون عملية إيواء طالبي اللجوء أكثر إنسانية وتخطيطاً، وتبنى على التواصل الجيد مع المجتمعات المحلية كي لا يشعر أحد بأن صوته غير مسموع".
وتقترح كاثرين سلسلة خطوات عملية لتحقيق هذه الأهداف، من بينها "تسريع البتّ في طلبات اللجوء لتجنّب سنوات الانتظار، وإشراك المجالس المحلية في التخطيط لاستخدام الفنادق ومواقع الإيواء، وتوفير مساكن آمنة تسمح للاجئين بالوصول إلى الخدمات والاندماج في مجتمعاتهم، وتفعيل بند الانسحاب من عقود القطاع الخاص كي تستعيد السلطات المحلية السيطرة على الملف. وهكذا تتجنّب السلطات وجود نظامَين منفصلين؛ واحد للاجئين وآخر لبقية السكان. وعندما تكون البلديات جزءاً من القرار، لن يستطيع القطاع الخاص السيطرة على مواقع ضخمة من دون استشارة أحد. وأثبت هذا النموذج نجاحه في برامج إعادة التوطين الإقليمية".
من جهتها، تصف مسؤولة المناصرة في منتدى اللاجئين والمهاجرين في إسكس ولندن ليلى حسين، في حديثها لـ"العربي الجديد"، الفنادق بأنها "بيئة مغلقة تُفقد الإنسان إحساسه بالزمن، وتسرق الطفولة، ما يعني أنهم الأكثر تضرراً، علماً أن تأثير هذه البيئة المغلقة على نموّهم وتوازنهم النفسي لا يُناقش بشكل كافٍ، فالعزلة وغياب المساحات الآمنة للّعب أو الدراسة تترك آثاراً عميقة على سلوكهم وصحتهم الذهنية".
وتوضح: "المنتدى قدّم الدعم لأكثر من 500 طالب لجوء خلال العامين الماضيين، وكثيرون منهم أفراد عائلات يعيشون في غرف ضيّقة لا تتّسع لحركتهم أو أحلامهم. ونوعية الطعام الذي يحصلون عليه تمثّل معاناة دائمة، إذ يفتقر غالباً إلى معايير الجودة ويتضمن الكثير من التوابل الحارّة، كأنه مُعدّ لذوق واحد فقط، بينما يأتي النزلاء من ثقافات مختلفة، من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وغيرها، حيث لا تُستخدم هذه الكميات من التوابل. ويدفع هذا التباين كثيرين إلى الامتناع عن تناول الطعام لأنهم يعجزون عن تقبّل طعمه، وقد يكون مضرّاً أيضاً". تتابع: "في كثير من الفنادق لا تُقدَّم بدائل للأطفال، فيُجبر بعضهم على تناول طعام لا يستطيع حتى الكبار تحمّله، بينما يمنع بعض الأهالي أطفالهم من تناوله أو يرفض الأطفال أنفسهم تناوله، فيجوعون ساعات".
وتذكر أنّ أطباء وجّهوا رسائل إلى المنتدى عن ارتفاع حالات سوء التغذية بين الأطفال، وبعضهم لم يتجاوز العام الأول. وتقول: "لا تقتصر المعاناة على الطعام، بل تشمل ضيق المساحة وغياب الخصوصية. غرفة الفندق التي كانت معدة لاستقبال شخصين تُستخدم اليوم لإيواء عائلة كاملة من ستة أفراد. لا مساحة للّعب ولا خصوصية، رغم أن اللعب جزء أساسي من النموّ النفسي والاجتماعي للطفل".
وتروي ليلى قصة والدة تقيم مع ابنتها المُصابة بمرض التوحّد في فندق مزدحم يضم عشرات العائلات، وتقول: "صارت الفتاة تميل إلى العدوانية أحياناً تجاه الآخرين وتجاه نفسها بسبب التوتر والخوف الدائمين. الأصوات والروائح والوجوه الغريبة تُربكها وتزيد اضطرابها. المكان قاسٍ عليها، لا يشبه المنزل ولا يمنحها الطمأنينة". تضيف: "في بعض الغرف لا تتّسع الطاولة سوى لصحنين، فيأكل أحد الوالدين واقفاً. وأفادت والدة أخرى بأنّها لم تستطع أن تكوي الزيّ المدرسي لابنها بسبب عدم وجود مكواة في الفندق، وكانت تشعر بمرارة وإحراج لأنّها اضطرّت إلى إرساله إلى المدرسة وزيّه على هذه الحال".
وتوضح ليلى أنّ شكاوى النساء تتعلّق بطريقة الدخول إلى الغرف أكثر من الاقتحام المباشر، "إذ إنّ الموظفين يطرقون الباب لكن لا يمنحون وقتاً كافياً للرد. يطرقون مرة أو مرتين ثم يفتحون ويدخلون من دون سماح صريح بدخولهم. ويثير هذا السلوك قلقاً شديداً خصوصاً لدى من يحملون ذاكرة خوف من مناطق نزاع". وإذ تدعو إلى تطبيق نموذجٍ جديد قائم على الاندماج والتعاون المجتمعي، تؤكد ليلى أنه "يمكن إنشاء مراكز ترحيب تسمح لطالبي اللجوء بالتعرّف على مجتمعاتهم الجديدة والخدمات المتاحة مع مشاركة السكان المحليين في دعمهم والتفاعل معهم. وهذا النموذج أقل تكلفة من الفنادق، وأكثر إنسانية لأنه لا يعتمد على الربح، بل على التضامن".
وخلف هذه المعطيات والسياسات، يعيش آلاف الأشخاص من طالبي اللجوء في بريطانيا في قلقٍ وانتظارٍ لا نهاية له. وتطالب منظمات ومنتديات حقوقية بنظام أكثر عدلاً وإنسانية يُعيد تعريف اللجوء حقاً أساسياً وليس معاملة مؤقتة، فاللاجئون لا يطلبون امتيازاً، بل مساحة آمنة لاستعادة اتّزانهم بعد رحلة خوف طويلة. وفي 16 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أعلنت بريطانيا أنّها ستُجري إصلاحات في سياسة معالجتها طلبات اللجوء، وستجعل وضع اللاجئ في أراضيها مؤقتاً، وتزيد مدة انتظار الحصول على إقامة دائمة إلى أربعة أمثال لتصبح 20 عاماً.
وأوضحت وزارة الداخلية البريطانية أن "الإصلاحات ستُستوحى من نهج الدنمارك الذي يُعدّ من بين الأكثر صرامة في أوروبا، وسيُلغى الواجب القانوني لتقديم دعم لبعض طالبي اللجوء على صعيدي السكن والإعانات الأسبوعية. وهذه الإجراءات ستُطبّق على طالبي اللجوء القادرين على العمل، لكنهم يختارون عدم فعل ذلك، وعلى من يخالفون القانون، وأولوية الحصول على دعم مموّل من دافعي الضرائب ستكون لأولئك الذين يساهمون في الاقتصاد والمجتمعات المحلية. وحماية اللاجئين ستكون مؤقتة وتخضع لمراجعة دورية ويمكن أن تلغى إذا صارت الدول الأصلية للاجئين آمنة".
يُشار إلى أن 109 آلاف و343 شخصاً قدموا طلبات لجوء في بريطانيا عام 2024، بزيادة 17% عن عام 2023، و6% فوق الذروة التي سُجلت عام 2002 وبلغت 103 آلاف و81.

Related News
لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس
aawsat
6 minutes ago
كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟
aawsat
16 minutes ago