اعتقال سفاح حي التضامن بدمشق أمجد يوسف... جرح غائر
Arab
1 hour ago
share
أعلنت وزارة الداخلية السورية، اليوم الجمعة، إلقاء القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بتنفيذ مجزرة حي التضامن بدمشق في إبريل/نيسان 2013، بعد سنوات من بقائه بعيداً عن العدالة رغم الأدلة المصورة التي وثقت واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها سورية في ظل نظام بشار الأسد البائد. وأكد بيان الداخلية السورية أن العملية الأمنية التي قامت بها في سهل الغاب بريف حماة لاعتقاله، جاءت تتويجاً لسلسلة من عمليات الرصد والتتبع، لتعيد إلى الواجهة جرحاً غائراً في ذاكرة السوريين. ولم تكن مجزرة التضامن، التي وقعت في شارع نسرين جنوب العاصمة دمشق، مجرد حادثة قتل جماعي فحسب، بل جسدت الممارسة السائدة لدى نظام الأسد آنذاك. وبقيت تفاصيل هذه الجريمة طي الكتمان لسنوات طويلة حتى 27 إبريل/ نيسان 2022 حينما نشرت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية تسجيلاً مصوراً صادماً يوثق لحظة تنفيذ إعدام جماعي بحق عشرات المدنيين، كانوا معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي، أُجبروا على الركض باتجاه حفرة قبل إطلاق النار عليهم، ثم جرى إحراق جثثهم. عملية أمنية محكمة نفذتها وزارة الداخلية، أُلقي القبض خلالها على المجرم أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن بمدينة دمشق، التي راح ضحيتها عشرات الشهداء الأبرياء. pic.twitter.com/ZivP9OeF6I — وزارة الداخلية السورية (@syrianmoi) April 24, 2026 والتسجيل، الذي أظهر بوضوح وجه أمجد يوسف وعدد من العناصر الآخرين، لم يكن مجرد دليل جنائي، بل تحول إلى وثيقة إدانة، أعادت تسليط الضوء على حجم الانتهاكات التي ارتكبت في تلك المرحلة. ووفق التحقيقات التي رافقت نشر الفيديو، فإنّ عدد الضحايا الذين ظهروا في المقطع بلغ 41 شخصاً، بينهم نساء وأطفال، (لم تنشر مقاطع إعدامهم) بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن العدد الإجمالي للضحايا في تلك المنطقة قد يصل إلى مئات (تحدثت مصادر عن 288 ضحية موثقة ومصادر أخرى عن أكثر من ذلك) مع توثيق عشرات المقاطع الأخرى التي لم يكشف عنها بالكامل. "منطقة مغلقة" تكمن أهمية اعتقال أمجد يوسف ليس لأنه أحد المنفذين المباشرين فحسب، بل لكونه شخصية محورية في شبكة أوسع من المتورطين في انتهاكات ممنهجة داخل حي التضامن ومحيطه. فقد أظهرت شهادات ناشطين وناجين أن المنطقة تحولت خلال تلك الفترة إلى ما يشبه منطقة مغلقة تُدار من قبل مجموعات مسلحة مرتبطة بأجهزة نظام الأسد الأمنية، إذ كانت عمليات الاعتقال العشوائي تجري بالحواجز، ليصار لاحقاً إلى تصفية المعتقلين في مواقع محددة، أبرزها شارع نسرين. ما زال هشام علي، البالغ 61 عاماً، يتذكر ما جرى في تلك الفترة. وقال في حديث لـ"العربي الجديد" إنه خرج من منطقة الحجر الأسود جنوب دمشق حيث كان يقيم لشراء ربطة خبز، وكانت المنطقة (مخيّم اليرموك والحجر الأسود) بدأت تتعرض للحصار من قوات النظام، وأضاف: "ذهبت أنا وابني محمد مستخدمين دراجة آلية (نارية)، وقصدنا منطقة الزاهرة المحاذية للمخيم. عبرنا حاجز قوات النظام الموجود بداية شارع 30 عند دوار البطيخة دون مشكلة أو اعتراض من عناصر الحاجز، ولكن في طريق العودة كان هناك عدد كبير من الناس يريدون الدخول إلى المخيم، ومعظمهم مثلي ربما ذهبوا لشراء الخبز أو أشياء أخرى". وتابع علي "وفي الأثناء حضر مسلحون من غير عناصر الحاجز، معهم حافلتان وطلبوا من جميع الشبان الموجودين على الحاجز الصعود على متنهما، وكان منهم ابني محمد الذي لا يتجاوز عمره 16 عاماً، لكنه طويل القامة، وحين سألتهم لماذا تأخذوه دون حتى السؤال عن اسمه أو طلب بطاقته الشخصية، قالوا لا تتدخل وإلّا ستذهب معه، ولم تنفع محاولاتي لمنعهم من أخذه"، وختم علي بالقول: "منذ ذلك اليوم لم يعد محمد، وعلمنا فقط أن الحافلتين اتجهتا نحو منطقة التضامن، ولا حول ولا قوة إلا بالله". وكشفت شهادات ميدانية سابقة عن وجود مقابر جماعية متعدّدة، وعن عمليات قتل لم تكن عشوائية فحسب، بل اتخذت في بعض الأحيان طابعاً انتقامياً أو طائفياً. وكان يجري بمعنى اعتقال أشخاص من مناطق معينة وتصفيتهم، خصوصاً إذا قتل أحد من عناصر النظام أو من المتعاونين معه، فيكون الانتقام باعتقال عشوائي لأي شخص تصادفه قوات النظام داخل مناطق محددة. وفي حالة حي التضامن يكون الاستهداف لسكان مخيّم اليرموك أو الحجر الأسود أو يلدا وببيلا ومجمل مناطق جنوب دمشق القريبة من التضامن. أمجد يوسف وشركائه أمجد يوسف أو سفاح حي التضامن من مواليد قرية نبع الطيب 1986 في سهل الغاب بمحافظة حماة. كان ضابط صف (مساعد أول) في الفرع 227 (فرع المنطقة) التابع لجهاز الأمن العسكري (الاستخبارات)، وظهر في مقطع الفيديو وهو ينفذ عمليات الإعدام. وكان يوسف مسؤولاً عن الحي وارتكب فيه العديد من الانتهاكات خلال عام 2013، وكان اسمه يتردّد دائماً مع بعض العناصر التابعين لمليشيا "الدفاع الوطني"، في شارع نسرين الذي هو جزء من حي التضامن والذي يتحدر منه بعض عناصر تلك المليشيا. وأوضح عز الدين العلي، وهو إعلامي من حي التضامن، ومدير تنسيقية حي التضامن، أن أهم المجموعات المسلحة التابعة للنظام تشكلت خلال الأشهر الأولى من انطلاق الثورة السورية في ربيع 2011، وهي ما كانت تُعرف بـ"شبيحة شارع نسرين" التي سرعان ما امتد نشاطها إلى خارج منطقة التضامن وتشكلت منهم مليشيا "الدفاع الوطني", لكن جميع الجرائم المرتكبة تمت كما يقول العلي بواسطة مجموعات شارع نسرين وهم "خليط من المدنيين وعناصر الأمن أو الجيش"، وفقه. وأضاف العلي في حديث لـ"العربي الجديد" أن "هناك العديد من الأشخاص المتورطين في جريمة التضامن، إضافة لمن ظهروا في الفيديو المسرّب حول الجريمة والذي نشرته صحيفة "ذا غارديان"، مشيراً إلى أن أحداث وتطورات تلك الفترة "كثيرة ومعقدة، ويعتبر صالح الراس (أبو منتجب) وهو ضابط متقاعد، من أعتى المجرمين في تلك الفترة". وتابع "هناك أيضاً شخص يدعى حكمت الإبراهيم، (أبو علي حكمت) الذي كان مسؤولاً عن الشؤون العسكرية، بينما من كان يتولى تجهيز الحفر التي يدفن فيها الضحايا هما شخصان، الأول يدعى نجيب الحلبي وظهر في الفيديو مع القاتل أمجد يوسف والثاني يدعى ريبال، وكلاهما قتلا قبل سنوات"، وأوضح العلي أنه "نادراً ما كان يجري الإفراج عن معتقل لدى مجموعات شارع نسرين، حتى لو جرى دفع أموال"، مشيراً إلى حالتين فقط جرى خلالهما الإفراج عن شخصين خرجا نتيجة عملية تبادل مع الجيش الحر، كلاهما توفيا في وقت لاحق. شارع نسرين... الثقب الأسود وأكد العلي أن المفقودين عددهم كبير جداً، "بعضهم علمنا أنه جرت تصفيتهم، وكثير لا نعلم مصيرهم حتّى الآن"، وأضاف أن "منطقة شارع نسرين تحولت إلى ثكنة عسكرية ضخمة وامتد نشاط المجموعات العاملة فيها والتي كان يتم تسليحها من أجهزة الأمن التابعة للنظام إلى مخيّم اليرموك". وأعرب العلي عن اعتقاده بأنّ مَن ظهروا في فيديو مجزرة التضامن "هم من المدنيين الذين جرى تصفيتهم فوراً دون محاكمة أو سؤال على قاعدة التطهير الطائفي"، لافتاً إلى أنّ "العسكريين أي المنتسبين للجيش الحر الذين كان يجري اعتقالهم لا يقتلون فوراً، بل كان يجري استجوابهم ببطء لأخذ معلومات منهم حول الفصيل الذي ينتمون إليه ومعارفهم وأقاربهم". وفي معرض شهادته، يذكر العلي أنه تمكن في العام 2014 من التسلل مع مجموعة من الصحافيين إلى المناطق التي كانت تجري فيها التصفيات في حي التضامن. ووثق في إحدى تلك الحالات نحو 50 جثة لم تدفن، منها 15 جرى حرقها، وقال إنه واجه صعوبة في إحصاء تلك الجثث لأنها تعرضت للحرق الشديد، ولم يستطع احصائها إلّا من خلال عد الجماجم. كما عثروا في منطقة كتلة دعبول السكنية بحي التضامن على جثث كثيرة، وكذلك في منطقة سليخة. وختم العلي بالقول "وفق نمط الإعدامات التي كانت سائدة آنذاك، فإنّ جميع الضحايا في تقديرنا من المدنيين، لأنّ العسكريين أو المنتمين لفصائل المعارضة لا يجري اعتقالهم بالجملة، بل كأفراد، ولا يجري إعدامهم في مجزرة جماعية، بل فردياً، وبعد تحقيقات مطوّلة معهم". "كل واحد بمية" من جانبه، يرى الناشط الفلسطيني نبيل السهلي الذي يعيش اليوم في أوروبا أن كثيراً ممن جرى تصفيتهم في حي التضامن عام 2013 هم من اللاجئين الفلسطينيين؛ لأنّ الاعتقالات كانت تتم بشكل رئيسي على الحواجز الثلاثة على مداخل مخيّمَي اليرموك وفلسطين، إذ كان ينقل المعتقلون إلى التضامن لتتم تصفيتهم هناك بعد ساعات قليلة. وأوضح في تصريح له أن مسلحي شارع نسرين رفعوا في تلك الفترة شعار "كل واحد بمية" بحيث أنه كانوا كلما قتل أحدهم في الاشتباكات مع الجيش الحر، أو خسروا نقطة عسكرية، يقومون بحملات اعتقال عشوائية في حي التضامن والأحياء المجاورة خاصة مداخل حي اليرموك، وينقلون المعتقلين إلى حي التضامن حيث تتم تصفيتهم على الفور. وأوضح أن "المجزرة المصورة وقعت في الجزء الجنوبي الشرقي من حي التضامن، في منطقة قريبة من خط التماس مع فصائل المعارضة في شارع دعبول، وهي منطقة كانت خالية من السكان منذ عدة أشهر، ولا تبعد سوى مسافة قليلة عن حاجز مخيّم اليرموك عند دوار البطيخة والذي كان يشهد في تلك الفترة حركة نشطة لسكان اليرموك والحجر الأسود لتأمين احتياجاتهم الغذائية أو للخروج كلياً من المنطقة التي بدأ يشتد عليها الحصار بعد سيطرة الجيش الحر على المخيّم نهاية العام 2012". كذلك، أعرب الناشط الإعلامي رامي السيد الذي كان يغطي أخبار جنوب دمشق في تلك الفترة، عن اعتقاده بأن الضحايا المدنيين الذين جرت تصفيتهم في حي التضامن ليسوا بالضرورة من سكان الحي، وربما يكون من بينهم مدنيون من مخيّم اليرموك والحجر الأسود والزاهرة ودف الشوك والميدان ويلدا وببيلا حيث سكان هذه المناطق خليط من السوريين من محافظات متنوعة، ولا سيّما دير الزور وإدلب والجولان المحتل، إضافة إلى اللاجئين الفلسطينيين. وأضاف السيد في حديثه مع "العربي الجديد" أن "مجموعات الشبيحة كانت تنشط في هذه المناطق، إضافة إلى الحواجز التي كانت عند مدخل اليرموك ودف الشوك وشارع الثلاثين والزاهرة وحي الميدان وكان يجري جلب المعتقلين إلى معقل الشبيحة في شارع نسرين ليجري الانتقام منهم وتصفيتهم". ويأتي توقيف أمجد يوسف في سياق أوسع من التحركات القضائية والأمنية التي بدأت تتسارع مؤخراً، سواء داخل سورية أو على المستوى الدولي، لملاحقة المتورطين في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. فقد شهدت السنوات الماضية محاكمات في دول أوروبية لعدد من المتهمين، كما جرى توثيق عدد كبير من القضايا التي لا تزال قيد التحقيق، في إطار ما يُعرف بمسار العدالة الانتقالية. وفي 27 شباط/فبراير 2025، ألقت السلطات السورية، القبض على 3 من مرتكبي مجزرة حي التضامن، فيما أدانت المحكمة الإقليمية العليا في مدينة هامبورغ الألمانية في 17 ديسمبر/كانون الأول 2024 العضو السابق في مليشيا "الدفاع الوطني" التابعة للنظام السوري السابق، أحمد حمروني، وحكمت عليه بالسجن عشر سنوات بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. وكان حمروني يعرف باسم "تركس التضامن" وكان له دور بارز في اعتقال وتعذيب المدنيين قبل مغادرته إلى ألمانيا وتقدمه بطلب اللجوء هناك. وذكرت مصادر محلية في منطقة مخيّم اليرموك المجاورة لحي التضامن لـ"العربي الجديد" أن للحمروني صلة وثيقة مع أمجد يوسف. وكان مكلفاً بجمع المدنيين، خاصّة من مدخل حاجز اليرموك عند دوار البطيخة، ووضعهم في حافلات، ومن ثم نقلهم إلى منطقة التضامن القريبة، وتسليمهم. جبر الضرر وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الانسان فضل عبد الغني، لـ"العربي الجديد" إن "ركيزة المساءلة في العدالة الانتقالية لا تكتمل باعتقال الجاني فحسب، بل بتقديمه إلى محاكمة تستند إلى معايير قانونية صارمة، وتفضي إلى حكم قابل للإنفاذ ومعترف به دولياً"، معتبراً أن "اعتقال يوسف يمثل شرطاً أولياً ضرورياً، لكنه لا يشكّل المساءلة بحد ذاتها". ويرى عبد الغني أن "مجزرة التضامن هي مفتاح لفهم شبكة من الجرائم الممنهجة التي تجمعها وحدة القيادة والفرع المنفذ، أي الفرع 227. ومن المؤكد أن أمجد يوسف يعرف أسماء من أصدروا الأوامر، وآليات التخلص من الجثث، ومصير المختفين الذين لم تُعرف أعدادهم الحقيقية حتّى اليوم". من جهة أخرى، حثّ عبد الغني على جبر ضرر عائلات الضحايا التي "لا تريد السجن وحده، بل تريد معرفة مواقع الجثث، والحصول على وثائق الوفاة، والاعتراف الرسمي بهوية ضحاياها. وهذه المطالب لا تتحقق تلقائياً بمجرد الاعتقال، بل تستلزم آلية موازية لجمع المعلومات من يوسف تحديداً بشأن مواقع الرفات، وهي معلومات قد تضيع بموته إن لم تُستخلص في إطار قانوني منظم"، واعتبر عبد الغني أن هذا الاعتقال ومجمل الملاحقات تساهم في "استعادة ثقة الشارع في ملف العدالة الانتقالية بعد أن تضرّر هذا الملف كثيراً بسبب التسويات غير المفهومة التي حصلت". وكانت النيابة العامة حرّكت دعاوى عامة بحق عدد من مرتكبي الانتهاكات من النظام السابق أمام قاضي التحقيق، بينهم عاطف نجيب، ومحمد الشعار، وإبراهيم الحويجة، ووسيم الأسد، وذلك في إطار مسار قضائي يهدف إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات الجسيمة بحق الشعب السوري، وتعزيز مبدأ سيادة القانون والعدالة الانتقالية. لكن في ظل غياب كامل لأي شكل من أشكال المساءلة في فترة نظام الأسد، يؤكد ناشطون أن ما ظهر في فيديو واحد لأمجد يوسف لا يمثل سوى جزء محدود من واقع أوسع وأكثر تعقيداً، إذ تشير التقديرات إلى توثيق ما لا يقل عن 27 مقطعاً مصوراً لمجازر مماثلة في حي التضامن.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows