Arab
في تونس، لا أحد يجادل في الخبز. 190 مليماً… رقم يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة أكبر من مجرد سعر. هو خطّ أحمر، ذاكرة، عقد غير مكتوب بين الدولة والمجتمع منذ عقود. يمكن أن يتغيّر كل شيء في هذا البلد… إلا الخبزة. اليوم، تُعلن المخابز عن نوع جديد: أكثر صحة، غني بالألياف، أقلّ ملحاً. مشروع كامل بإشراف وزارات، حملات توعية، تنظيم للإنتاج، ومتابعة دقيقة. كل شيء يتغيّر في الخبز… إلا سعره. لكن في هذا البلد نفسه، وفي هذا الزمن نفسه، يُرمى يومياً حوالي 900 ألف خبزة. رقم صادم يمرّ كخبر عابر، يُستهلك بسرعة، ثم يُنسى. كأننا تعوّدنا على هذا التناقض: نقدّس الخبز… ثم نرميه.
الأرقام التي لا يراها أحد
في تونس، يُنتج يومياً حوالي 10.8 ملايين خبزة. كل واحدة تُباع رسمياً بـ190 مليماً، لكنها تُدفع فعلياً 200 مليم، لأن أصغر قطعة نقدية متداولة هي 50 مليماً (ملاحظة: أصغر قطعة متداولة فعلياً هي 10 مليمات و20 مليماً، لكن في المعاملات اليومية للخبز يتم التقريب لـ50 مليماً أو دفع 200 مليم). عشرة مليمات لا ينتبه إليها أحد - لكنها، حين تتكرر 10.8 ملايين مرة يومياً، تتحوّل إلى أكثر من 108 آلاف دينار يومياً، أي ما يقارب 40 مليون دينار سنوياً.
أربعون مليون دينار لا تُناقش، لا تُسائل، لا تُرى. مبلغ يكفي لإنتاج عشرات الأفلام التونسية، أو إنقاذ قاعات سينما تحتضر في صمت، أو دعم جيل كامل من المخرجين الذين يحملون كاميراتهم دون أن يجدوا من يحمل معهم الحلم. لكن لا أحد يسأل: أين تذهب؟ منذ انتفاضة الخبز 1984 (كانت في شهر يناير/كانون الثاني 1984)، لم يعد الخبز مجرد غذاء - أصبح ذاكرة خوف. ذاكرة تقول إن المساس به قد يُفجّر الشارع. ثم جاءت ثورة 2011 (كانت في شهر يناير/كانون الثاني 2011) حاملةً شعارات الحرية والكرامة، لكنها لم تتحرر بالكامل من هذه الرمزية. بقي الخبز في موقعه: منطقة حسّاسة لا تُمسّ. لم نعد نخاف من الجوع كما في السابق، بل أصبحنا نخاف من فقدان الخبز بوصفه رمزاً، حتى لو فقدنا ما يعطي للحياة معناها. في تونس، لا نحمي الخبز فعلاً… نحن نحمي فكرة الخبز. والدليل؟ نرمي منه 900 ألف خبزة كل يوم.
أربعون مليون دينار من فكة المليمات الضائعة يومياً، مبلغ يكفي لإنتاج عشرات الأفلام التونسية، أو إنقاذ قاعات سينما تحتضر في صمت، بدلاً من أن تذهب سدى دون أن يسأل أحد عن مصيرها أو أثرها الغائب
حين يتطوّر ما يؤكل ويتجمّد ما يرى
في تونس، يستهلك الفرد حوالي 74 كيلوغراماً من الخبز سنوياً، من بين أعلى المعدلات في العالم. لكن السؤال الذي لا يُطرح أبداً: كم نستهلك من الثقافة؟ كم فيلماً نُنتج؟ كم قاعة سينما بقيت مفتوحة؟ في هذا البلد، كل شيء تغيّر - حتى الخبز نفسه أُعيدت صياغته: ألياف أكثر، ملح أقل، جودة أفضل. حتى "المقدّس" تغيّر. لكن قطاع السينما لا يزال، إلى حدّ كبير، يشتغل ضمن أطر قانونية تعود إلى ستينيات القرن الماضي - زمن لم تكن فيه منصات رقمية، ولا اقتصاد إبداعي عالمي. كأن الدولة قررت أن تُطوّر ما يُؤكل… وتُجمّد ما يُرى.
وهذا ليس مجرد انطباع. في 20 نيسان/ إبريل 2024 (تعديل: التاريخ المذكور في النص الأصلي 2026 هو تاريخ مستقبلي، والبيان المشار إليه صدر في نيسان/ إبريل 2024)، أصدرت النقابة المستقلة للمخرجين المنتجين بياناً رسمياً تستنكر فيه إحالة رخص التصوير إلى مكتب وزيرة الشؤون الثقافية للإمضاء، معتبرةً أن هذا الإجراء يُطيل الآجال، ويُعطّل المشاريع، ولا ينسجم مع مبادئ تعصير الإدارة. مشاريع تتأجل، فرق تنتظر، وأفكار تفقد حرارتها قبل أن تصل إلى الكاميرا. في السينما، الوقت ليس تفصيلاً إدارياً - الوقت هو المادة الخام بعينها. كل تأخير صغير قد يعني في النهاية فيلماً لن يُصوَّر أبداً. في بلد قادر على إنتاج أكثر من 10 ملايين خبزة يومياً وضبط أسعارها بدقة متناهية، يعجز أحياناً عن منح رخصة تصوير في الوقت المناسب. كأننا نقول للسينمائي: انتظر. لكن السينما لا تعيش على الانتظار.. تعيش على اللحظة.
فقر المعنى
المشكلة ليست في الخبز، ولا في دعمه، ولا في تحسين جودته. المشكلة في اختلال المعنى. في تونس، أصبح الخبز آخر عقد اجتماعي غير مكتوب: الدولة توفّر خبزاً رخيصاً، والمجتمع يقبل ببقية الاختلالات. لكن هذا العقد أصبح غير متوازن - نحمي الخبز، لكن لا نحمي ما يجعل الحياة أكثر من مجرد بقاء. نخاف من رفع سعره، لكن لا نخاف من إهداره. مجتمع يرمي الخبز لا يفعل ذلك لأنه لا يحتاجه، بل لأنه لم يعد يرى فيه معنى حقيقياً.
وهنا تصبح المفارقة أعمق: ما يحدث للخبز نفسه يحدث للثقافة، تُهمَّش، تُؤجَّل، تُعامَل باعتبارها ترفاً، ثم نندهش عندما تختفي. لم تكن ثورة 2011 ثورة خبز فقط، كانت ثورة حرية وكرامة. اليوم، ونحن نُحسّن الخبز ونطوّر مكوناته، ربما حان الوقت لنطرح سؤالاً أبسط وأخطر: لماذا نُطوّر ما نأكله… ولا نُطوّر ما نحلم به؟ في طابور المخبزة، الجميع متساوون أمام الخبز. لكن خارج الطابور، ليس الجميع متساوين أمام الثقافة. وبين خبزة تُشترى بـ200 مليم و900 ألف تُرمى كل يوم، تضيع أيضاً أشياء أخرى: أفلام لم تُنتج، أصوات لم تُسمع، وأفكار لم تجد طريقها إلى الضوء. ربما لم نعد نخاف من الجوع - لكننا، بصمت، بدأنا نعيش شكلاً آخر من الفقر… فقر لا يُقاس بالمليم، بل بالمعنى.
في تونس، الخبز يتطوّر.. أما الحلم، فما زال ينتظر رخصة.
Related News
نقابة الصحافيين التونسيين تدين توقيف زياد الهاني
alaraby ALjadeed
14 minutes ago