لندن لم تعد كما كانت: ضعف في الاستهلاك تعمّقه الحرب
Arab
1 hour ago
share
لم تعد لندن تلك العاصمة التي تمتص الضغوط الاقتصادية بسرعة بحكم ثقلها المالي والخدمي. العاصمة البريطانية، التي لم تستكمل بعد تعافيها الاستهلاكي منذ الجائحة، تجد نفسها اليوم أمام ضعف لا يقتصر على إنفاق الأسر، بل يمتد أيضاً إلى قرارات الاستثمار في السكن والتجزئة والتطوير التجاري، زادت من حدته الحرب الإيرانية الأخيرة، وارتفاع أسعار النفط والغاز، وتصاعد أكلاف الشحن والاستيراد، وما لذلك من انعكاسات على القدرة الشرائية للمقيمين في العاصمة. في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، يرى ليام سايدز، المدير المساعد في مؤسسة أكسفورد إيكونومكس، أن حجم الإنفاق الاستهلاكي داخل اقتصاد لندن يجعل من الصعب فصل هشاشة السوق عن حسابات المستثمرين. ويأتي هذا التقدير في سياق تقرير لأكسفورد إيكونوميكس خلص إلى أن النشاط الاستهلاكي في لندن لا يزال أقل بنحو 4% من مستوياته قبل الجائحة، فيما يتسع الضعف أكثر في لندن الداخلية، حيث ينخفض بنحو 8% مقارنة بعام 2019. وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من أنها لا تعكس تباطؤاً عابراً في الإنفاق فحسب، بل تشير إلى أن العاصمة لم تستعد بعد إيقاعها الاستهلاكي السابق، لا سيما في المناطق الأكثر ارتباطاً بالمكاتب والحركة اليومية والإنفاق الحضري الكثيف. يقول سايدز إن تراجع الاستهلاك في لندن يبدو أعمق منه في مدن أوروبية كبرى أخرى. ويعزو ذلك إلى ثلاثة عوامل رئيسية: ارتفاع كلفة المعيشة لا سيما في السكن والطاقة والغذاء، وتشدد الضغط الضريبي على أصحاب الدخول المتوسطة إضافة إلى تراجع الحافز للعمل لدى بعض الفئات مع انتقالها إلى شرائح ضريبية أعلى. وبرأيه، يضع اجتماع هذه العوامل الشركات أمام بيئة يجتمع فيها ضعف الاستهلاك مع ارتفاع كلفة التشغيل، بما يقلص العوائد المتوقعة ويضعف مبررات الاستثمار الجديد في العاصمة. ومع ذلك، لا يتبنى سايدز قراءةً تشاؤميةً خالصةً لمستقبل لندن. فهو يرى أن العاصمة لا تزال تحتفظ بعنصرين يمنحانها بعض القوة مقارنةً بمدن أوروبية أخرى: أولهما اتجاهات ديمغرافية أكثر إيجابية، مع توقعات بزيادة السكان في سن العمل، وثانيهما الطابع الخدمي لاقتصادها ووجود شركات عالية الابتكار فيها، بما قد يساعدها على تحمل الضغوط الصناعية الحالية والاستفادة من فرص الذكاء الاصطناعي ومكاسب الإنتاجية المرتبطة به. الأزمة تمتد إلى ما هو أبعد من أثر التضخم وتعطل النقل والحرب على إيران، يقرّ سايدز بأن لندن تأثرت بتراجع السفر لأغراض الأعمال وازدياد العمل من المنزل، ويرى أن العاصمة ستواصل التكيف مع هذه التحولات في النهاية. لكنه لا يعتبر أن ما يحدث يعكس انحداراً لا رجوع عنه، بل يربطه أيضاً بمشكلات أوسع في الاقتصاد البريطاني، في مقدمها الوضع المالي للحكومة وضعف وتيرة بناء المساكن في لندن. وانطلاقاً من ذلك، يرى سايدز أن لندن لا تزال قادرةً على تغيير مسارها إذا نجحت الحكومة في تخفيف العبء المالي على المستهلكين، ودفعت نحو بناء المساكن، وعاشت البلاد فترةً من الاستقرار في نسب التضخم. لكن ذلك لا يلغي المفارقة الأساسية: فالعاصمة العالمية لا تزال تجد صعوبةً في استعادة زخمها الاستهلاكي الكامل، فيما تتراكم عليها كلفة المعيشة وأعباء الضرائب وتحولات العمل وضغوط الأسعار الجديدة. مفارقات أقدم من الحرب لا يبدو ضعف النشاط الاستهلاكي في لندن منفصلاً عن ضغوط سبقت أصلاً التطورات الخارجية الأخيرة المرتبطة بالحرب الإيرانية وتداعياتها الاقتصادية. مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني أفاد في نهاية مارس/آذار الماضي بأن لندن ما زالت تسجل أعلى كلفة سكن في إنكلترا وويلز، حيث بلغت نسبة القدرة على تحمل تكاليف السكن (نسبة أسعار المنازل إلى متوسط الدخل) في لندن حوالي 10.5 إلى 10.6، ما يجعلها المنطقة الأقل قدرة على تحمل تكاليف السكن بفارق كبير. بكلمات أخرى، يحتاج الموظف لادخار راتبه كاملاً مدة 10 سنوات ونصف سنة ليشتري منزلاً، وهو ما يعكس عبئاً مباشراً على الدخل المتاح للإنفاق. يرى سايدز أن لندن لا تزال قادرةً على تغيير مسارها إذا نجحت الحكومة في تخفيف العبء المالي على المستهلكين، ودفعت نحو بناء المساكن، وعاشت البلاد فترةً من الاستقرار في نسب التضخم. وفي مؤشر آخر على حذر السوق داخل العاصمة، أفادت وكالة رويترز في الأول من إبريل/نيسان 2026 بأن مجموعة بيركلي، وهي من أكبر بناة المساكن في لندن وجنوب شرق إنكلترا، أوقفت شراء أراضٍ جديدة وقلّصت الاستثمار الجديد في مواقع البناء، مع إرجاع ذلك إلى ارتفاع الكلفة والضغوط التنظيمية وضعف تعافي السوق، إلى جانب الضبابية التي زادتها تطورات الحرب الإيرانية الأخيرة. تعاف لم يكتمل وجاءت الحرب الإيرانية لتزيد الضغط على هذا الضعف القائم أصلًا بدل أن تصنعه من الصفر. فقد أظهر مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني في 22 إبريل/نيسان 2026 ارتفاع التضخم السنوي في المملكة المتحدة إلى 3.3% في مارس/آذار، مقارنة بـ3% في فبراير/شباط، مع مساهمة ملحوظة من ارتفاع أسعار الوقود والنقل. وأوضح المكتب أن وقود السيارات كان صاحب أكبر مساهمة صعودية في التغير الشهري، فيما بلغ متوسط سعر البنزين 140.2 بنساص لليتر، وهو أعلى مستوى منذ أغسطس/آب 2024. وفي اليوم نفسه، ربطت صحيفة الغارديان هذا التسارع بزيادة كلفة الوقود في ظل اضطراب أسواق الطاقة بعد الحرب على إيران. وفي هذا السياق، تبدو الارتفاعات الجديدة أشد وقعاً في لندن، لأن موجة الأسعار تصيب سوقاً استهلاكية لم تستعد متانتها بعد. ولا تقف الضغوط عند كلفة المعيشة أو أثر التطورات الخارجية، بل تمتد أيضاً إلى اضطرابات العمل في قطاعات تمس الحياة اليومية مباشرة. فإضرابات مترو الأنفاق في العاصمة وإضراب الأطباء المقيمين في إنكلترا تبيّن أن أثر التعطل لا يبقى داخل مكان العمل، بل يطاول حركة المدينة وكلفة الخدمات وقدرة المؤسسات على العمل في بيئة تعاني أصلاً من ضعف الاستهلاك وارتفاع الكلفة. هكذا تبدو لندن اليوم أقل شبهاً بتلك العاصمة التي كانت أقوى من الضغوط الاقتصادية والمالية المستوردة. الهشاشة تكشفها بيانات الاستهلاك والسكن والاستثمار، وتفضحها سرعة تأثر النقل والخدمات، بما يوحي بأن التحدي لم يعد في تجاوز عامل واحد أو ظرف عابر، بل في قدرة المدينة على استعادة توازنها الاقتصادي في مرحلة تتقاطع فيها الأزمات السياسية الداخلية مع الاضطرابات الآتية من الخارج.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows