مئوية ابن رشد الغائبة عربياً
Arab
1 hour ago
share
تُخلّد فعاليات ثقافية في قرطبة بإسبانيا، على امتداد السنة الحالية، الذكرى المئوية التاسعة لولادة الفيلسوف والعلّامة ابن رشد (1126- 2026)، أحد أكثر الفلاسفة العرب أهمية وتأثيراً في العصور الوسطى المتأخّرة التي سبقت النهضة الأوروبية، ومهّدت لانطلاقتها. في هذا الصدد، تنظم مؤسّسات وجمعيات وجهات ثقافية مختلفة فعالياتٍ تستعيد الذكرى المئوية التاسعة لابن رشد ومساهماته الكبيرة في الفكر الإنساني، من بينها الفعالية التي نظّمتها جامعة قرطبة، في منتصف الشهر الماضي (مارس/ آذار)، تحت عنوان: "ابن رشد... بوصلة في زمن عدم اليقين"، والفعالية التي يُنظمها "البيت العربي" في قرطبة، بالتعاون مع مؤسسات ثقافية وأكاديمية أخرى، تحت شعار "سنة ابن رشد". وبحسب مذكرة التعاون التي وُقّعت في ديسمبر/ كانون الأول المنصرم في قرطبة، تتضمّن "السنة" برنامجاً ثقافياً لإحياء ذكرى الفيلسوف الأندلسي وتخليد إرثه الفلسفي والفكري والعلمي المضيء. ومن ذلك استدعاء جوانبٍ من التاريخ الاجتماعي لمدينة قرطبة في القرن الثاني عشر، الذي عاش فيه ابن رشد، بالاستعانة بما يزخر به "متحف قرطبة الأثري" من آثار ونسخ نادرة من مخطوطات ابن رشد، منها نسخة من رسالة طبّية أصلية (تعود لابن رشد)، محفوظة في أرشيف بلدية المدينة. في السياق نفسه، يُنظّم "البيت العربي"، بين 27 و29 إبريل/ نيسان الجاري، مؤتمراً دولياً تحت شعار "عالَم ابن رشد... المفكّر وعصره"، يشارك فيه باحثون وأكاديميون ومتخصّصون في فكر ابن رشد. كما يستضيف "البيت العربي" أيضاً ندوة حول "ابن رشد والرشدية اللاتينية"، تستعيد السياقات التاريخية والثقافية لاستقبال فكر ابن رشد وتأويلاته لأرسطو في أوروبا ما بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر، وأثر ذلك في إعادة بناء المنظومة الفكرية الغربية. وبالموازاة، يُنتج فيلمٌ وثائقيٌّ عن ابن رشد بعنوان "الشارح" (El Comentador)، يستعيد جوانبَ من إرثه الفلسفي، ويوثّق بعض محطّات حياته بين قرطبة ولوثينا، حيثُ نُفِي، ومراكش التي تُوفّي ودُفن فيها. في مقابل هذا الزخم الفكري والثقافي اللافت الذي تُحاط به الذكرى المئوية التاسعة لابن رشد في مسقط رأسه بقرطبة، لا يبدو العالم العربي، الغارق في أزماته وحروبه وانقساماته، معنياً بالاحتفاء بأحد رموز التراث الفكري والفلسفي العربي الإسلامي. وعدا ندوة نظّمتها منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) في فبراير/ شباط الماضي، في الرباط، عن موروث ابن رشد، عدا ذلك، لا نكاد نعثر على فعاليات ثقافية عربية كُبرى تحتفي بمئوية ابن رشد التاسعة، وتحفّز على إعادة قراءة فكره، في ضوء الأزمة البنيوية المفتوحة التي تعيشها البلدان العربية منذ عقود. قد يكون غياب الاحتفاء بذكرى ابن رشد مقروناً، في جانبٍ منه، بمخلّفات سوء الفهم التاريخي بين فكره العقلاني والفكر السلفي (التقليدي)، خصوصاً مع الصعود المعلوم للحركات الإسلامية، فضلاً عن حالة الاستقطاب الفكري والسياسي غير المسبوقة التي باتت عليها الحياة السياسية والثقافية العربية. لكنّ هذا ليس مبرِّراً، على أيّ حال، لغياب فعاليات بحجم المناسبة وأهميتها الثقافية والتاريخية. يكتسي إرث ابن رشد الفكري والفلسفي أهمية ثقافية، لا سيّما فيما يقترن بالإشكالات التي طرحها، وفي مقدّمتها المصالحة المستعصية بين النقل والعقل، وأهمية الفلسفة في فهم العالم والارتقاء بالحياة الإنسانية. وعلى الأغلب فإنّ الحكومات والنُّخب العربية ليست معنية بالمئوية التاسعة لفيلسوف قرطبة، بسبب ما يثيره إرثه من أسئلة حرجة بشأن علاقة الدين بالسياسة، والمعرفة بالسلطة، والعقل بالتقليد، والفرد بالمجتمع، وغيرها من الجدليات التي اشتبك معها ابن رشد، ولا تزال راهنة. شكّل فكر ابن رشد أحد الجسور الثقافية الكبرى في العصور الوسطى المتأخّرة، حين أعاد الغربُ، عبر ذلك الفكر، الصلة بإرثه الفلسفي الإغريقي الذي وصل إليه من خلال شروحاته المشهودة. واليوم، تبدو شخصية ابن رشد بحاجة إلى تخطّي أبعادها الأكاديمية والبحثية، على أهميتها، من أجل أن تصبح جسراً للحوار والتواصل والتعايش بين بلدانٍ وشعوبٍ وثقافاتٍ أضحى معظمها أسيراً للخطابات الهُويّاتية المتطرّفة. وعلى الأرجح، فإن أفقاً ثقافياً بهذه الخصوبة لا يندرج ضمن أولويات النُّخب العربية وانشغالاتها.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows