Arab
تشهد صناعة الأسلحة العالمية واحدة من أكثر المواجهات تعقيداً بين شركتين تاريخيتين هما بيريتا الإيطالية وستورم روغر الأميركية، في نزاع يتجاوز الخلافات التجارية التقليدية ليصل إلى صراع على النفوذ داخل واحدة من أعرق شركات الأسلحة في الولايات المتحدة، بحسب صحيفة وول ستريت جورنال. بدأت الأزمة بشكل مفاجئ في سبتمبر/ أيلول الماضي، عندما كشفت إفصاحات رسمية لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية أن شركة بيريتا استحوذت على حصة بلغت 7.7% من أسهم روغر، قبل أن ترتفع لاحقاً إلى نحو 10%، لتصبح أكبر مساهم في الشركة، وفقاً لما نقلته وول ستريت جورنال. هذا التحرك المفاجئ صدم إدارة روغر، التي أكدت أن الخطوة جرت دون أي تنسيق أو تواصل مسبق، وهو ما اعتبرته خرقاً للأعراف غير المكتوبة في صفقات الشراكة الاستراتيجية.
وقال الرئيس التنفيذي لروغر، تود سيفرت، إن هذه الخطوة جاءت دون أي تواصل مسبق، مضيفاً: "خلال 35 عاماً من العمل، عندما أسعى لشراكة، أبدأ بمكالمة هاتفية". في المقابل، اعتبر بييترو غوسالي بيريتا، رئيس مجموعة بيريتا القابضة، أن تجاهل رئيس مجلس إدارة روغر، جون كوزنتينو الابن، له بحجة إجازة لمدة شهر "أمر غير مقبول"، ما زاد من حدة التوتر بين الطرفين. وتحول الخلاف سريعاً إلى مواجهة علنية، حيث تبادل الطرفان بيانات رسمية واتهم كل منهما الآخر بسوء النية. تقول بيريتا إنها تسعى لإصلاح شركة ضعيفة الأداء يديرها مجلس إدارة طويل الأمد يهتم بالرواتب أكثر من مصالح المساهمين. أما روغر، فترى أن بيريتا تحاول تنفيذ استحواذ تدريجي عبر شراء الأسهم بأسعار منخفضة وزيادة نفوذها داخل مجلس الإدارة.
وتعتبر روغر أن تحركات بيريتا لا تقتصر على الاستثمار المالي، بل تمتد إلى محاولة إعادة تشكيل هيكل الحوكمة داخل الشركة، وهو ما يكشف مخاوف عميقة لدى الشركات الأميركية من فقدان السيطرة لمصلحة مستثمرين أجانب، خصوصاً في قطاع حساس مثل صناعة السلاح. ورفض بييترو غوسالي بيريتا هذه الاتهامات، واصفاً إياها بأنها أخبار زائفة، ومؤكداً أن هدفه تحسين الأداء وليس السيطرة. في المقابل، قال الرئيس التنفيذي تود سيفرت إن وصف الاستحواذ يعكس تفسيراً لسلوك بيريتا، مشيراً إلى وجود تباين بين التصريحات والواقع". ومن جانبها، ترى بيريتا أن دخولها بصفة مساهم رئيسي في روغر يمثل فرصة لإعادة هيكلة شركة تعاني من ضعف الأداء، حيث تشير البيانات إلى تراجع واضح في نتائجها المالية خلال السنوات الأخيرة.
تراجع أداء شركات السلاح
وتلعب المؤشرات المالية دوراً حاسماً في تغذية هذا الصراع، حيث شهدت أسهم شركات السلاح الأميركية تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة. فقد انخفضت أسهم كل من روغر وشركة سميث آند ويسون بأكثر من 50% منذ ذروة 2021، فيما ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بأكثر من 60% خلال الفترة نفسها، وأظهرت البيانات وفقاً لوول ستريت جورنال أن روغر سجلت أرباحاً تشغيلية بلغت 203 ملايين دولار في 2021، قبل أن تنخفض إلى أقل من 100 مليون دولار في 2022، ثم تتحول إلى خسارة صافية قدرها 12 مليون دولار في 2024. كذلك تراجعت إيرادات الشركة من نحو 736 مليون دولار في 2021 إلى أقل من 600 مليون دولار في 2024. وهو ما يعني تراجع جاذبية قطاع السلاح مقارنة بقطاعات أخرى مثل التكنولوجيا والطاقة، ويشير إلى تحول في أولويات المستثمرين نحو مجالات ذات نمو أعلى.
في المقابل، سجلت بيريتا إيرادات بلغت نحو ملياري دولار في 2024، مقارنة بنحو 1.1 مليار دولار في 2021، بزيادة تقارب 82% خلال ثلاث سنوات. ويعود هذا النمو إلى ارتفاع الإنفاق العسكري العالمي، إضافة إلى تنفيذ صفقات استحواذ، من بينها شركة ذخيرة سويسرية. وتشير البيانات إلى أن بيريتا تدير أكثر من 20 علامة تجارية في قطاع السلاح، وتنتج بنادق ومسدسات وقاذفات وأنظمة بصرية، مع وجود عمليات إنتاج في أوروبا والولايات المتحدة. وتوضح الصحيفة أن توسع بيريتا في السوق الأميركية يمتد لأكثر من 40 عاماً، ما يعزز قدرتها على العمل داخل السوق المحلية.
"حبة السم"
وتصاعدت الأزمة بشكل ملحوظ مع لجوء روغر إلى تفعيل آلية "حبة السم" (Poison Pill)، وهي أداة دفاعية تهدف إلى منع أي مساهم من زيادة حصته بشكل مفرط دون موافقة مجلس الإدارة، وفقاً لما أوردته وول ستريت جورنال. ويُعَد هذا الإجراء من أبرز الأدوات المستخدمة في مواجهة محاولات الاستحواذ العدائي، حيث يسمح بتخفيف حصة المستثمر المستهدف عبر إصدار أسهم جديدة لبقية المساهمين. ويؤكد استخدام هذه الأداة مدى جدية المخاوف داخل روغر من نيات بيريتا، ويشير إلى انتقال النزاع من مرحلة الخلافات الإدارية إلى مواجهة قانونية ومالية مفتوحة. وفي هذا السياق، استعان الطرفان بعدد كبير من المستشارين القانونيين والماليين، ما يرفع من تكلفة النزاع ويزيد من تعقيده.
ولا تقتصر الأزمة على الجوانب المالية، بل تمتد إلى اختلافات جوهرية في الثقافة المؤسسية بين الشركتين. فشركة بيريتا، التي تأسست قبل نحو 500 عام، تمثل نموذجاً أوروبياً تقليدياً في الإدارة الصناعية طويلة الأمد، وتدير أعمالها عالمياً وتنتج مجموعة واسعة من الأسلحة، بما في ذلك منتجات شركة هولاند آند هولاند البريطانية الفاخرة، وقد استخدم أسلحتها العميل الخيالي جيمس بوند، واعتمدها الجيش الأميركي لعقود. فيما تركز روغر على السوق المحلية الأميركية، وعلى المرونة التشغيلية، وتشتهر بأسلحة متينة منخفضة التكلفة موجهة للصيادين، حيث يعد طراز 10/22 من أكثر البنادق انتشاراً في الولايات المتحدة. ويظهر هذا التباين في تفاصيل مثل مواقع الإدارة، حيث تعقد بيريتا اجتماعاتها في منشآت تاريخية فاخرة، بينما يقع مقر روغر في مبنى متواضع بولاية كونيتيكت. كذلك ينعكس الاختلاف في طبيعة المنتجات، إذ تمتد أنشطة بيريتا إلى الأسلحة العسكرية والتقنيات المتقدمة، بينما تركز روغر على السوق المدنية. ويؤدي هذا التباين إلى صعوبة التوافق الاستراتيجي بين الطرفين، ما يزيد من تعقيد أي محاولة للتعاون.
معركة مجلس الإدارة
وتتجه الأنظار حالياً إلى معركة مجلس الإدارة، التي تمثل المرحلة الأكثر حساسية في هذا النزاع. فقد رشحت بيريتا أربعة أعضاء جدد لمجلس إدارة روغر، مطالبة المساهمين بانتخابهم خلال الاجتماع السنوي المقبل، مع الدعوة إلى خفض رواتب الأعضاء الحاليين، بحسب وول ستريت جورنال. ويعكس هذا التحرك محاولة مباشرة لإعادة تشكيل هيكل الحوكمة داخل الشركة. في المقابل، سارعت روغر إلى تعيين أعضاء جدد دون التنسيق مع بيريتا، مؤكدة أن هذه الخطوة كانت مخططاً لها مسبقاً. ويكشف هذا التصعيد أن الطرفين يستعدان لمعركة تصويت قد تكون حاسمة في تحديد مستقبل الشركة.
وفي محاولة أخيرة لتجنب التصعيد، عقد الطرفان اجتماعاً في نيويورك خلال إبريل/ نيسان الجاري، حيث شارك بييترو غوسالي بيريتا عبر الهاتف بعد إلغاء حضوره الشخصي. وبحسب إفصاحات رسمية، يُبحث حالياً اتفاق تعاون بين الطرفين عبر محاميهما، في محاولة لكسر الجمود. لكن في حال فشل هذه الجهود، فإن النزاع سيتجه إلى تصويت المساهمين، في معركة قد تعيد تشكيل واحدة من أعرق شركات السلاح في الولايات المتحدة.
وتظهر أحدث البيانات المتاحة أن آخر أرقام إنتاج رسمية صادرة عن مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات تعود إلى عام 2022، حين بلغ الإنتاج نحو 13.8 مليون قطعة، مقارنة بـ11.3 مليون في 2021، وتمثل المسدسات أكثر من 65% من إجمالي الإنتاج، تليها البنادق الطويلة. كذلك تشير البيانات إلى أن عدد الأسلحة المملوكة للمدنيين في الولايات المتحدة يتجاوز 390 مليون قطعة، وهو ما يعادل أكثر من 120 سلاحاً لكل 100 شخص، ما يجعل السوق الأميركية الأكبر عالمياً من حيث حجم الملكية والاستهلاك.
وفي ظل تأخر إصدار البيانات النهائية للسنوات اللاحقة، إلا أن مؤشرات السوق الأحدث، بما في ذلك بيانات فحوص الخلفية الصادرة عن مكتب التحقيقات الفيدرالي، تظهر تسجيل نحو 25.5 مليون فحص في 2024، مقابل أكثر من 39 مليوناً في ذروة 2020، ما يعكس تراجع الطلب من مستويات الجائحة مع بقائه أعلى من المعدلات التاريخية. وتشير تقديرات شركات الأبحاث إلى أن مبيعات الأسلحة راوحت بين 15 و16 مليون قطعة في 2024، فيما يستقر الحجم الاقتصادي للقطاع عند ما بين 90 و95 مليار دولار سنوياً، وفق المؤسسة الوطنية لرياضات الرماية. ويوفر القطاع أكثر من 375 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، مع مساهمة ضريبية تتجاوز 10 مليارات دولار سنوياً. وتشير البيانات كذلك إلى وجود أكثر من 14 ألف شركة تعمل في القطاع، تشمل المصنعين والموزعين وتجار التجزئة. وهو ما يكشف حجم انتشار الصناعة داخل الاقتصاد الأميركي وتعدد أطرافها.
