فخري صالح.. سؤال النكبة في الأدب
Arab
2 hours ago
share
يجمع كتاب "فلسطين في مراياها المتعددة: تمثيلات الأرض والوطن في المتخيّل الأدبي" (الدار الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان، 2026) للكاتب والناقد الفلسطيني فخري صالح، مشاغله في الأدب الفلسطيني التي تمتدّ إلى نصف قرن. ومع تباعدها زمانياً، بقي ما يجمع دراساته النقديّة، لقاؤها على فكرة مفادها أنّ الأدب الفلسطيني بعامّة، يشترك في الصراع مع محاولات المحو التي يقوم بها الاحتلال. يعرض المؤلّف المنجز الفلسطيني باعتباره "مقاومة وجودية"، يقوم بها الكتّاب الفلسطينيون، رداً على عمليات الاقتلاع والنفي، وعلى تزوير الحقائق التي بدأت مع مطلع القرن العشرين، حيث سعت النصوص الأولى في الشعر والقصة إلى تبصير الفلسطينيين بما يُعدّ لهم، مع وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في أرض فلسطين. وفي هذا السياق، يقرأ صالح تجارب شعراء مثل عبد الرحيم محمود، وإبراهيم طوقان، وقصص نجاتي صدقي، وقبل ذلك في النصوص الأولى التي كتبها خليل بيدس وإسكندر الخوري البيتجالي. وضمن هذا التقديم، يرى صالح أنّ "البذور الأولى لتشكّل الهوية الوطنية الفلسطينية قد نمت في العقود الثلاثة الأولى التي تبعت فرض الانتداب البريطاني، وصولاً إلى سقوط فلسطين عام 1948". كما يقرأ صالح الأدب الفلسطيني ضمن الحاضنة التاريخية السياسية التي شكّلته، وهي الطرد من الجغرافيا والتاريخ، عبر المجازر، بدءاً من دير ياسين والطنطورة وصولاً إلى غزة. وقد دفعت هذه الحاضنة الكتّاب الفلسطينيين إلى التأخّر في الالتفات إلى الأشكال الأدبية وتحوّلاتها، مقارنة بتجارب متقاربة زمنياً في العراق وسورية ومصر، إذ لم يتطوّر الشعر الفلسطيني إلا بعد عقد من النكبة، مع بدء الشعراء الفلسطينيين استيعاب الصدمة. وقد ظهرت النكبة من خلال التعبير الملحمي في الشعر الفلسطيني، في تجارب هارون هاشم رشيد وفدوى طوقان. يقرأ تجارب عبد الرحيم محمود وإبراهيم طوقان ونجاتي صدقي وعلى هذا النحو، فإن حدث النكبة أعاد تأسيس الهوية الفلسطينية الحديثة، وأعاد أيضاً تأسيس الأدب والثقافة، وما أنتجه الفلسطينيون من فنون، في إطار من "الوعي التراجيدي المزلزل للتجربة الكيانية للفرد والجماعة". وهو ما يفسّر، بحسب صالح، العودة المستمرة، التي لا تنقطع، من قبل أجيال متتابعة من الكتّاب الفلسطينيين إلى قراءة حدث النكبة، والسعي إلى تصويره والتعبير عنه في الشعر والرواية والقصة والمسرح، وفي سلسلة من "البحث الإبداعي عن تفسير التراجيديا الفلسطينية" في أعمال محمود درويش وغسان كنفاني، وصولاً إلى كتابات عدنية شبلي وابتسام عازم. وتتأسّس فرادة الكتابة الفلسطينية، في كون تطوّر أشكال الإبداع، أصبح جزءاً من تطوير صيغ التعبير عن القضية الفلسطينية. ومن خلال قراءته السردية الفلسطينية الأدبية التي تمتد على عقود من الكتابة، يخلص صالح إلى أن النشاط الثقافي والأدبي الفلسطيني، الذي تلا استيعاب الصدمة، كان سعياً للإجابة عن سؤال النكبة، وتعرّف الفلسطينيين على موضعهم في العالم بعد سقوط وطنهم، من دون أن يأتي هذا السعي على حساب الغايات الفنيّة للكتابة، من اقتراح صيغ تعبيرية وأساليب ترتبط بتطوّر تجربة الكتابة نفسها.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows