اعتقال شيخ قبلي بالجوف يُشعل التوتر.. هل تُعيد القبائل رسم خارطة المواجهة مع الحوثيين؟
Civil
2 hours ago
share

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص

أقدم الحوثيون على اعتقال الشيخ حمد بن راشد الحزمي من منزله في منطقة “اليتمة” شمالي محافظة الجوف (شمال شرق اليمن)، مساء الأحد الماضي 19 أبريل/ نيسان الحالي. وهي المرة الأولى التي يجرؤون فيها على اعتقال شيخ قبلي من وسط قبيلته؛ إذ ظلت الحسابات القبلية لدى الحوثيين في الجوف، حاضرة ومحل اعتبار منذ سيطرتهم الأخيرة على المحافظة مطلع عام 2020م.

ينتمي الشيخ الحزمي لقبيلة “ذو حسين”، أكبر قبائل الجوف، والتي تشكل مع بقية القبائل الإطار المعروف باسم قبيلة “دهم”. الأمر الذي فجر غضباً قبلياً واسعاً، تداعى على إثره رجال القبائل بعد اطلاق الداعي (النكف ليتداعى المسلحون القبليون من كل صوب إلى منطقة اليتمة الواقعة أقصى شمال المحافظة، والقريبة من الحدود السعودية، ويبعد مكان تجمع القبائل مسافة قصيرة عن خطوط التماس بين الحوثيين والجيش اليمني.

لليوم الثالث، تتواصل الحشود القبلية بالتوافد إلى مطرح قبائل الجوف (دهم). وتصاعد التوتر الثلاثاء عقب فشل وساطة قبلية؛ إذ كان الحوثيون قد وعدوا بالإفراج عن الشيخ الحزمي، لكنهم عادوا واشترطوا رفع التجمع القبلي، وهو ما رفضه المسلحون من قبائل الجوف. وزاد الوضع اشتعالاً عقب تصريحات الشيخ القبلي البارز هادي بن عبد، بأن الحوثيين هددوا بقصف الحشود القبلية بالطائرات المسيرة، فرد عليهم: “كُلٌّ يكتب وصيته ويجي” في اشارة إلى استعدادهم لكل الخيارات.

يستشعر الحوثيون خطر الرفض القبلي وحساسية المكان الذي يتجمع فيه المسلحون القبليون، وقد دفعوا بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى المنطقة بحسب مصادر محلية، ونشروا آليات عسكرية في التباب والمزارع. ولا تزال التعزيزات متواصلة إلى المنطقة، ويفتح الباب أمام  استجابة الحوثيين للمطالب، إذا ما تواصل الزخم القبلي ورفضوا وعود الحوثيين التي تظهر التفافاً أكثر من جدية.

في الجوف، هناك أحداث كثيرة شهدتها السنوات الأخيرة بين الحوثيين والقبائل، اتسمت بتماسك مجتمع الجوف القبلي، وتعمد الحوثيين استخدام استراتيجيات تفكيك واستهداف تهدف لإضعاف القبائل، وانفجار الموقف الأخير من اعتقال الشيخ الحزمي سوف يعيد تشكيل خارطة المواجهة.

القبيلة.. تماسك في وجه الاستقطاب

شهدت الجوف محطات كثيرة من المواجهات بين القبائل والحوثيين في أعوام 2009م، 2011م، و2014م. ولاتزال اليوم، تشتعل على أطرافها جبهات شرق وشمال المحافظة بين الجيش اليمني وعناصر جماعة الحوثي. ورغم التحولات السابقة، بداية من سقوطها في يد الحوثيين مطلع 2015، ثم استعادتها من الحكومة اليمنية نهاية العام  ذاته، ثم سقوطها مرة أخرى مطلع 2020، صاحبها حالات استقطاب حادة، ظلت القبيلة في الجوف متماسكة إلى حد كبير؛ فبالرغم من التباينات والثارات، إلا أن المخاطر الوجودية تدفعها دوماً لاستشعار الخطر والتوحد، مما جعلها تاريخياً محط اعتبار للسلطات.

بعد سيطرة الحوثيين على الجوف في مارس/آذار 2020م، اندلعت عدة مواجهات بين القبائل والجماعة، كشفت عن قوة تماسك النسيج القبلي مع امتلاكه للسلاح الخفيف والمتوسط، مافرض واقع تقبله الحوثيون؛ ففي يوليو 2020، حاصر رجال القبائل أطقم القيادي “أبو علي الحاكم” وأجبروه على الخضوع لـ “الصفا القبلي” بعد تصريحات له اعتبروها “مستفزه” وفيها نبرة تهديد. وفي ديسمبر من العام ذاته، اقتحمت قبيلة “ذو حسين” سجناً في قلب مركز المحافظة وأخرجت أحد معتقليها بالقوة. كما أحرقت قبيلة “آل حمد” حملة عسكرية حوثية كاملة في مارس 2021، مما أرغم الجماعة على التراجع والرضوخ لمطالبهم.

وفي مرات عديدة، خاضت قبيلة “بني نوف” مواجهات عنيفة مع الحوثيين، عكست مواقف صلبة وشراسة قتالية، مما اضطر الحوثيين للتراجع عن مواقفهم واللجوء للأعراف القبلية والتهدأة. ولم يسبق أن واجه الحوثيون قبيلة “دهم” بجميع أفرعها مجتمعة، وظلت القبيلة صاحبة الكلمة العليا.

استراتيجية التفتيت والتغلغل

فرض تماسك القبيلة على الحوثيين تغيير استراتيجيتهم من “المواجهة المباشرة” إلى سياسة تعتمد على “تغذية الثارات” وإحداث “تغيير ديموغرافي” ناعم. عمدت الجماعة إلى تفتيت القبيلة وتوظيف النزاعات البينية، كما حاولت التغلغل العقائدي واستهداف النشء لزراعة ولاء للجماعة يفوق الانتماء القبلي. وقد برزت ثمار هذا التغلغل في حادثة الحزمي، عبر كتابات حوثيين “قبليين” برروا الاعتقال بدعوى تعرض الشيخ لشخص عبدالملك الحوثي، محاولين بذلك شق الصف القبلي ورفض مطالب بالإفراج عنه.

الحرب الناعمة.. تجريف الأرض والهوية

يبرز هنا تقرير بحثي خطير يكشف فيه أن ما يحدث في الجوف هو “مشروع تجريف” لتغيير هوية المحافظة. وتشير الدراسة التي أصدرها مركز البحر الأحمر، وأعدها عارف قرصان باحث من ابناء الجوف، ونشرت أواخر 2025م، إلى أن الجماعة أشرفت على بيع نحو 120 مليون متر مربع من أراضي الجوف خلال 5 سنوات فقط لصالح كيانات وواجهات استثمارية حوثية، بهدف إعادة تشكيل الخريطة السكانية والمذهبية للمحافظة ذات الطابع القبلي السني المتماسك، في عملية تشبه إلى حد بعيد صفقات الاستيطان التاريخية.

الدراسة سلطت الضوء على التحولات الديموغرافية الخطرة التي شهدتها محافظة الجوف منذ عام 2020م نتيجة عمليات بيع أراضٍ واسعة لصالح أفراد وكيانات مرتبطة بجماعة الحوثي، سواء بصورة مباشرة أو عبر واجهات استثمارية، ولا تقتصر هذه العمليات على الجانب الاقتصادي، بل تشكل استراتيجية ممنهجة لإعادة تشكيل الخريطة السكانية والمذهبية في محافظة ذات طابع قبلي متماسك.

استراتيجية “تفتيت القبيلة”

اعتمد الحوثيون على استراتيجية تفتيت القبيلة في الجوف وتوظيف الثارات كما يصف ذلك الأستاذ مطر دحان، أحد الوجاهات القبلية. وقدم مقارنة بين حادثتين منفصلتين تؤكدان سياسة الحوثيين تفريق التماسك القبلي؛

وذكر في منشور له على حسابه بـ”فيسبوك” أن عام 2021م شهد اختلافاً بين قبيلتين في الجوف وتم الصلح بينهما، وبعدها بأشهر حاول الحوثيون الاعتداء على أراضٍ فتصدت لهم كل القبائل، وهو ما دفع الحوثيين لاعتماد استراتيجية “فرق تسد” عبر تغذية الخلافات وإحياء الثارات، حتى وصلت الأمور إلى وضع مأساوي تفتقر فيه 80% من القبائل في الجوف اليوم إلى أي صلح قائم بينها.

وأشار إلى خلاف حديث بين قبيلتي “ذو محمد” و”ذو حسين” الجوفيتين عاد للظهور قبل أشهر، كان مقدوراً حله عبر العرف القبلي أو القضاء لو أراد الحوثيون وهم المسيطرون على المنطقة، لكنهم فضلوا استخدامه كأداة لبعث رسائل ترهيب لبقية القبائل، وفق ما ذكر مطر دحان، ويحذر من استهداف الشيخ بن حمد الحزمي والسكوت عن اعتقاله مقدمة لجر بقية الرموز القبلية إلى المصير ذاته، بمن فيهم أولئك المحسوبون على الجماعة.

سابقة خطيرة تستهدف “الحصن الأخير”

يرى الدكتور محمد صالح محسن، مدير مكتب التربية التابع للحكومة اليمنية ورئيس إصلاح الجوف، أن اختطاف الشيخ حمد الحزمي يمثل “تجاوزاً لكافة الخطوط الحمراء”، معتبراً استهداف الرموز القبلية ضربة ممنهجة لعمق النسيج الاجتماعي. وأكد في تصريح له، أن القبيلة اليمنية، التي كانت دوماً حصناً للعدالة وملاذاً للمظلوم، تتعرض اليوم لمحاولات تقويض لكرامتها وقيمها الراسخة التي لا تقبل المساومة.

كما يصف الشيخ عبد ربه وازع الشايف القبيلة بأنها “الحصن الأخير” المتبقي لليمنيين بعد سقوط المؤسسات، مشدداً على أنها كيان يمتلك خصوصية كاملة في تقرير مصيره بعيداً عن الأجندات السياسية. ويؤكد الشايف أن الوقوف مع القبيلة اليوم هو ضرورة تمليها الحاجة لحماية كرامة المواطنين من بطش المليشيات، مؤكداً أنها الضامن الوحيد المتبقي لحفظ الحقوق في ظل الفراغ المؤسسي الراهن.

موقف قبلي يوحد الجميع

وكتب الشيخ عبد السلام عبدان أحد وجاهات الجوف في حسابه في “فيسبوك” أن احتشاد القبائل في “مطرح اليتمة” هو موقف قبلي خالص نابع من اعتبار اختطاف الشيخ الحزمي “تعدياً صارخاً على الكرامة والشرف” وفق أعراف قبائل دهم وبكيل. وأشار عبدان إلى أن هذا “النكف” يتجاوز كافة الانتماءات الحزبية والمذهبية، حيث توحد أبناء القبائل بسلاحهم ونفقاتهم الخاصة للدفاع عن عرضهم وكرامتهم، بعيداً عن أي دعم أو توجيه خارجي.

The post اعتقال شيخ قبلي بالجوف يُشعل التوتر.. هل تُعيد القبائل رسم خارطة المواجهة مع الحوثيين؟ appeared first on يمن مونيتور.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows