Arab
تعطلّت العملية التعليمية لعدد كبير من الأطفال الأفغان بسبب تكرر الاشتباكات في المناطق المحاذية للحدود مع باكستان، وأغلقت المدارس ونزحت بعض العائلات هرباً من تصاعد العنف والموت، وتزداد التداعيات النفسية لهذا الوضع على هؤلاء الأطفال الذين لم يتركوا منازلهم ومدارسهم فقط، بل أيضاً أفراحهم في القرى الحدودية وضحكاتهم وسعادتهم، وباتوا يعيشون في خيام لا تقيهم من الشمس الحارقة والبرد القارس.
بدأت موجة النزوح الجديدة من المناطق الأفغانية المحاذية للحدود مع باكستان في الشرق والجنوب، إثر اندلاع الاشتباكات بين البلدين في نهاية فبراير/ شباط الماضي، ما أوقع عشرات القتلى والجرحى من سكان المناطق الحدودية، ودفع نحو 27 ألف أسرة إلى النزوح، بحسب أرقام رسمية، علماً أن مصادر قبلية تصف هذه الأرقام بأنها "غير دقيقة، وأن عدد المشردين والنازحين أكبر".
وفي 22 فبراير/ شباط الماضي، استهدفت باكستان 7 نقاط على طول الحدود مع أفغانستان، وصفتها بأنها "معسكرات إرهابية"، رداً على هجمات داخل أراضيها قالت إن حركة طالبان باكستان تقف وراءها. وردت الحكومة الأفغانية في 26 فبراير بشن هجمات على منشآت عسكرية باكستانية على طول الحدود، ثم استهدفت باكستان مواقع في كابول والمناطق الحدودية.
وشهدت باكستان وأفغانستان توتراً مماثلاً في أكتوبر/ تشرين الأول 2025. وتقول إسلام أباد إن حركة طالبان باكستان تتمركز في أفغانستان وتنسق هجماتها من هناك، بينما تنفي الحكومة الأفغانية هذه الادعاءات.
وتصر باكستان على أنها لا تستهدف المدنيين في الاشتباكات المتكررة الأخيرة منذ أسابيع، لكن عملياتها أعاقت حركة التجارة في المناطق الحدودية، وأجبرت السكان على مغادرة منازلهم. وفي مارس/ آذار الماضي أعلنت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان (يوناما)، أن ما لا يقل عن 75 مدنياً لقوا حتفهم، وأصيب 193 آخرون جراء الاشتباكات في أفغانستان.
يقول محمد هاشم الذي نزح من ولاية خوست الحدودية مع باكستان، ويعيش حالياً مع أحد أقاربه في منزل صغير مستأجر بضواحي العاصمة كابول لـ"العربي الجديد": "تركت منزلي مع عائلتي خلال الاشتباكات الحدودية التي اندلعت بين القوات الأفغانية والباكستانية من أجل الحفاظ على حياتي وحياة أولادي، والنتائج الأولى للنزوح كانت حرمان أبنائي الثلاثة من التعليم. وقبل النزوح منعت أبنائي من الذهاب إلى المدرسة مع اشتداد القتال على الحدود والخوف من التعرض لمصيبة، ثم تركت منزلي إلى خوست حيث لم أسجلهم في المدرسة لأنني اعتقدت ولا أزال أنني سأعود إلى منزلي عاجلاً أم أجلاً".
ويشير إلى أن "الخوف المستمر من عودة القتال يمنعه مع عائلات أقاربه من الرجوع إلى منازلهم، ما يترك الأطفال في حالة انقطاع تعليمي طويل، ويخلق قلقاً دائماً في شأن مستقبلهم الدراسي، خاصة بعد حرمانهم من التعليم المدرسي والديني معاً".
ويقول غفران الله أشكزاي، وهو أب لستة أطفال نزح من منطقة سبين بولدك بولاية قندهار، لـ"العربي الجديد": "حرمت الحرب أطفال المناطق الحدودية من حياتهم بالكامل، في حين أننا نأمل في أن يتعلموا كي يخرجوا من الفقر. جعل إغلاق المدارس ونزوح العائلات أطفالاً كثيرين يتأخرون عن الدراسة. وفي المكان الذي نزحنا إليه لا توجد مدرسة قريبة، ما يشكل قلقاً كبيراً لنا لأننا لا نريد أن يفقد أطفالنا فرصتهم في التعليم".
يتابع: "أحاول أن أعلّم أطفالي في مكان النزوح بمدينة قندهار، لكن غياب البيئة المدرسية يؤثر سلباً في تحصيلهم وحالاتهم النفسية، في حين يمنحهم الوجود داخل مدرسة الاستقرار النفسي ويساعدهم على التعلم بشكل أسرع وأفضل".
ويؤكد الأهالي والمهتمون بصحة الأطفال، أن الأطفال يعيشون تحت ضغط نفسي متواصل نتيجة الخوف من الحرب، وفقدان الروتين اليومي الذي توفره المدرسة، والانتقال المفاجئ من حياة مستقرة إلى واقع النزوح وعدم اليقين. ويقول الطبيب النفسي عنايت الله ملنك يار لـ"العربي الجديد: "ليست المدرسة مكاناً للتعليم فقط، بل هي منشط اجتماعي يمنح الأطفال الشعور بالأمان والانتماء. ويُواجه الأطفال مظاهر مختلفة مثل اضطرابات التركيز والخوف الدائم وتراجع حوافز التعلم. واستمرار النزاع لا يهدد التعليم فحسب، بل أيضاً التوازن النفسي لجيل كامل من الأطفال الذين يكبرون بعيداً عن المدارس وفي ظل أجواء الخوف والنزوح، ما يثير مخاوف من آثار طويلة الأمد على مستقبلهم التعليمي والاجتماعي".
ويذكر عنايت الله أيضاً أن "أطفالاً كثيرين عاشوا في مناطق الصراع يعانون مشكلات نفسية كبيرة، مثل الخوف في الليل وعدم النوم براحة، والبكاء بلا سبب، والشجارات داخل الأسرة. والمعضلة الأساس أيضاً هي فقدان الثقافة المناسبة كي يتعامل الآباء والأمهات مع هذه القضايا بشكل أكثر تناسباً".
ويؤكد عنايت الله أن "السعي والعمل في هذا الشأن من مسؤولية كافة شرائح المجتمع والآباء والحكومة التي تملك إمكانيات لا توجد لدى غيرها، لكن الثغرة الكبيرة هو عدم وجود مؤسسات إنسانية تعنى بحقوق الأطفال، أما المؤسسات الدولية فتملك الكثير من الإمكانيات والمشاريع النافعة، لكنها لا تعمل في أفغانستان بسبب سياسات المجتمع الدولي مع حكومة طالبان والعلاقات غير الجيدة، ما ينعكس سلباً على أوضاع الأطفال والنساء والمرضى في بلد أرهقته الحرب لمدة أربعة عقود".

Related News
مخططون عسكريون يناقشون في لندن إعادة فتح مضيق هرمز
aawsat
7 minutes ago