خلال الأيام الماضية، نفذت مليشيات الحوثي حملة اختطافات جديدة في محافظات إب وحجة وعمران، وطالت أشخاصاً من فئات اجتماعية ومهنية مختلفة، ضمن نهج مقصود لقمع المجتمع، وفي الوقت نفسه الهروب إلى الأمام من مأزق الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية والحقوق الأساسية للسكان، وفي مقدمة ذلك الرواتب والخدمات.
وتأتي هذه الحملة في سياق متصاعد من الاحتقان المعيشي، في ظل عدم صرف الرواتب رغم هزالتها، وتدهور الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة، وهي عوامل تغذي حالة من السخط الصامت في أوساط الموظفين والشرائح الاجتماعية المختلفة.
احتقان معيشي متصاعد
في هذا السياق، يصبح التعبير عن المطالب المعيشية - حتى عبر منشور على فيسبوك - فعلاً ذا حساسية سياسية بالنسبة للحوثيين الذين يتكئون على القوة ولا شيء سواها.
وتحت دوافع الخوف، اختطف الحوثيون مدرساً في كُعيدنة بحجة على خلفية مطالبته برواتب المعلمين، وكأن المطالبة بالراتب أصبحت جريمة، وهذا ما يسعى الحوثيون إلى تكريسه في الواقع، بحيث ينسى الناس حقوقهم الأساسية ولا يفكر أي شخص في الحديث عنها علناً.
وفي سياق متصل، اختطف الحوثيون قرابة 20 شخصاً في مديرية النادرة بمحافظة إب، عقب خلاف لا علاقة لهم به، وهو ما يشير إلى أن هذا الأسلوب يندرج ضمن ما يمكن وصفه بـ"الضبط الاستباقي"، حيث يتم توسيع نطاق الردع لإرسال رسالة لعامة المواطنين مفادها أن الاختطاف هو الحل الوحيد لأي حراك اجتماعي من أي نوع.
استباق المطالبات
من حيث التوقيت، تبدو هذه الحملة استباقية من جانب الحوثيين لقطع الطريق أمام تصاعد المطالبات بصرف الرواتب، خاصة بعد التطورات الأخيرة المتمثلة في تراجع وتيرة الصراع الإقليمي، وهي الذريعة التي كانت تُستخدم للاستمرار في التهرب من الالتزامات تجاه الموظفين والسكان، غير أن هذا الواقع لا يسقط مسؤوليتهم، سواء في حالة الحرب أو السلم، إذ تظل رواتب الموظفين حقاً لا يمكن التنصل منه تحت أي ظرف.
كما تتزامن هذه الإجراءات مع بدء ما يُعرف بـ"المراكز الصيفية"، وهي دورات مغلقة تنظمها الجماعة، يتم خلالها استهداف الأطفال بعمليات تعبئة فكرية تقوم على ترسيخ مشروعها السياسي، القائم على فرض سلطة ذات طابع عقائدي، وتغليفها بمزاعم دينية.
وفي هذا السياق، يسعى الحوثيون إلى خلق بيئة اجتماعية منضبطة، لا تسمح بظهور أي خطاب موازٍ أو مطالب قد تتعارض مع مشروعهم.
ويعكس ذلك شعورهم بقلق متزايد من أي مؤشرات على تطبيع الحياة في مناطق سيطرة الحكومة، سواء من حيث تحسّن الخدمات أو انتظام صرف الرواتب، لما قد يؤدي إليه ذلك من تحفيز السكان في مناطق سيطرتهم على المطالبة بحقوق مماثلة.
وبالتالي، فإن هذه الحملة لا يمكن فصلها عن محاولة استباق أي حراك شعبي محتمل، أو احتواء حالة الغضب المتزايدة، عبر أدوات أمنية تهدف إلى ضبط الشارع ومنع تحول المطالب المعيشية إلى ضغط جماهيري أوسع.
تعدد الدوافع
لا يمكن فصل هذه الحملة عن سابقاتها، فهي على المستوى السياسي تؤكد بوضوح أن مساحة الحرية شبه منعدمة، حتى لمن يطالبون بحقوقهم مثل الرواتب، حيث يتم التعامل معهم كما لو كانوا معارضين سياسيين مكانهم السجون.
أما على المستوى الاجتماعي، فتُستخدم هذه الحملات لاحتواء أي نزعات فردية أو جماعية للمطالبة بالحقوق، عبر تدخل أمني مباشر يعيد تكريس نهج القوة والسيطرة، وتحمل هذه الحملة رسائل واضحة إلى الداخل، تتمثل أولاً في أن التعبير عن المطالب المعيشية يُصنّف كفعل مهدد لاستقرار حكم الحوثيين.
وثانياً إظهار الحضور الأمني المكثف كأداة رئيسية لإدارة الأزمات، بدلاً من معالجتها عبر تحسين الخدمات أو الاستجابة للمطالب، كما يسعى الحوثيون إلى الحد من النقاشات العامة حول الرواتب والخدمات، لأن ذلك—من وجهة نظرهم—قد يؤدي إلى تحول المطالب الفردية إلى حراك جماعي منظم.
توزع الحملة على ثلاث محافظات خلال فترة قصيرة يشير إلى طابعها المنظم، وفي الوقت نفسه يعكس حالة القلق التي تعبر عنها مثل هذه الإجراءات القمعية، ففي محافظة عمران، تم اختطاف تربوي في مديرية خمر، مع سوابق استدعاء واحتجاز مماثلة، في سياق يعزز حالة الخوف والقلق، خصوصاً مع اقتحام المنازل وترويع النساء والأطفال، كما ورد في روايات سكان النادرة.
الإعلام ووسائل التواصل
تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مزدوجاً في هذه المعادلة؛ فهي من جهة منصة للتعبير عن المطالب، ومن جهة أخرى أداة رصد تمكّن الحوثيين من تتبع الخطاب العام، وبذلك، يتحول منشور يطالب بالراتب إلى ملف أمني، في رسالة واضحة للمجتمع بضرورة الحذر من عواقب التعبير، ما يدفع كثيرين إلى مزيد من التحفظ.
وتشير التجارب إلى أن المطالب المتعلقة بالرواتب والخدمات لا تختفي بالقمع، بل تتراكم، وقد تظهر لاحقاً بأشكال أكثر تعقيداً، كما أن توسيع دائرة الاختطافات قد يخلق مظالم جديدة ويغذي حالة الاحتقان بدلاً من احتوائها.
Related News