Arab
في قلب بروج، حيث لا ينقطع تدفّق الزوّار، وتملأ أصوات القوارب والحقائب أزقّة المدينة، يتكرّس مشهدٌ سياحي صاخب يجعل من الصعب تخيّل وجود مساحاتٍ هادئة في واحدةٍ من أكثر مدن بلجيكا ازدحاماً. ومع ذلك، وجدت نحوُ عشرين امرأةً من المقيمات والزائرات ملاذاً خفياً بعيداً من هذا الصخب، في مكانٍ يقع بعد جسرٍ صغير وتحت قوسٍ مزخرف يحمل نقشاً لاتينياً يقول "سوفغارد" (sauvegarde)، أي "مكان آمن". ففي قلب بحرٍ من أزهار النرجس الصفراء، تمتدّ واحةٌ من الهدوء والسكينة، تأسست عام 1245، هي "البيغيناج الأميري تن وينغارده" (Princely Beguinage Ten Wijngaerde) في بروج.
ومنذ 22 عاماً، تعيش تريس ديويفر في هذا المكان، مشيرةً إلى أنه يمنح "شعوراً غامراً بالهدوء، وهو ما نحتاجه في هذا العالم". أما جارتها، جو فيربلاتسن، التي تقيم هناك منذ 23 عاماً، فترى أن روح هذا الملجأ العائد إلى العصور الوسطى ما زالت اليوم باعثةً على الطمأنينة وتعزّز الروابط الاجتماعية، مضيفةً: "كلّ يوم نشعر بالامتنان لوجودنا هنا".
ملاذٌ للنساء من الهموم
ورغم هدوئها الحالي، ظهرت مجمّعات "البيغيناج" (Beguinage) بعد القرن الثاني عشر استجابة لواقعٍ قاسٍ. فقد أدّت الصراعات في العصور الوسطى إلى تقليص عدد الرجال، ما خلّف عدداً كبيراً من الأرامل والنساء غير المتزوجات اللواتي كنّ بحاجةٍ إلى نوعٍ من الاستقرار. وغالباً ما فضّلن القواعد الأكثر مرونة في هذه المجتمعات، بدلاً من الأديرة الصارمة، بحسب ميشيل فان هولدر، وهو متطوّع في "الكنيسة الكبرى للبيغيناج" (Grand Beguinage Church) في ميخلين. وأوضح أن هؤلاء النساء "لم يُردن أن يصبحن راهبات، لكنهنّ أردن العيش معاً من دون رجال، لقلّة عددهم أصلاً".
وكان يُطلق على النساء اللواتي ينضممن إلى هذه المجتمعات اسم "بيغينات" (Beguines)، ورغم منعهن من الزواج في أثناء الإقامة، كنّ يتمتعن بحرية الخروج، وبإمكانية الحصول على ممتلكاتهن الخاصة، من دون أن يقطعن نذور الفقر والعفّة كما تفعل الراهبات.
بدورها، أوضحت بريجيت بيرنارت، التي انتقلت إلى "بيغيناج بروج" قبل أكثر من 20 عاماً، أن هذه التجربة تمثّل "خياراً وسطاً للنساء اللواتي لا يرغبن في أن يصبحن راهبات". وعملت نساء البيغيناج غالباً في رعاية المرضى والفقراء، وكسبن المال من الخياطة وصناعة الدانتيل، وأعدن استثمار جزءٍ من الأرباح في المجتمع. لكن هذه المجتمعات لاقت، في فتراتٍ مختلفة، قبولاً ورفضاً من الفاتيكان، إذ أُدينت إحدى أبرز البيغينات، المتصوّفة الفرنسية مارغريت بوريته، بالهرطقة وأُحرقت عام 1310. وقد تناول عددٌ من الروائيين هذه الظاهرة، من بينهم كين فوليت وشارلوت برونتي وأومبرتو إيكو.
خصائص معمارية
من الناحية المعمارية، صُمّمت مجمّعات البيغيناج لتوفّر للنساء بيئةً مريحةً وآمنةً، مع حدائق صغيرة موزّعة بين الأزقة أو حول ساحةٍ رئيسيةٍ تطلّ عليها المنازل، وكان قلب المجتمع دائماً كنيسةً أو مصلى.
واليوم، تُدرج منظمة يونسكو (UNESCO) 13 موقعاً من هذه المجمعات في فلاندرز، الجزء الناطق بالهولندية في شمال بلجيكا، ضمن قائمة التراث العالمي.
وترى السائحة الألمانية بياتا فايسبايكر، التي زارت بروج مع زوجها آخيم، أن هذه الأماكن كانت ولا تزال ضرورية، مضيفةً: "النساء بحاجةٍ إلى مكانٍ كهذا يمنحهن فرصة العودة إلى ذواتهن".
تقاليد تتكيّف مع الزمن
ورغم وفاة آخر "بيغينة" في بلجيكا، مارسيلّا باتين، عام 2013 عن 92 عاماً، فإن جوهر هذه المجتمعات استمرّ على مدى 800 عام. وقالت إحدى المقيمات: "عندما تكونين هنا، فأنتِ في أمان. كان ذلك حرفياً في العصور الوسطى، إذ لم يكن القانون قادراً على إخراجك من هذا المكان. أما اليوم، فهو أشبه بمساحةٍ آمنة للنساء اللواتي يعشن بمفردهن".
ولا يزال "بيغيناج بروج" حتى اليوم يقتصر على النساء، رغم أن ملكيته وإدارته أصبحتا بيد البلدية، حيث تستأجر المقيمات المنازل منها. وتنظّم هذه المجتمعات أنشطةً عامة لتعزيز الروابط، من خلال أعمال البستنة والفعاليات المفتوحة. وقد زرعت بعض المقيمات أخيراً شجيرات توت العليق قرب القناة، كما يربين خلايا نحل لإنتاج العسل.
وختمت بيرنارت بالقول: "العالم قاسٍ هذه الأيام، لكن هذا المكان يمنحنا شعوراً بأنه لا يزال آمناً. إنه يضفي على بروج لمسةً من الفردوس الصغير، والعيش داخل هذا الفردوس أمرٌ لا يُصدّق".
(أسوشييتد برس، العربي الجديد)

Related News
بنغلاديش ترفع أسعار الوقود بسبب حرب إيران
aawsat
5 minutes ago
زفيريف قد ينسحب من دورتَي روما وهامبورغ لتجنب الإجهاد
aawsat
6 minutes ago
مرسيليا في مهبّ الانهيار عقب الخسارة من لوريان
aawsat
19 minutes ago