Arab
أظهر أحدث استطلاع رأي أجراه معهد أبحاث الرأي "يوغوف"، ونشرت نتائجه في 15 إبريل/نيسان الحالي، أن حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني الشعبوي، بات يعد حالياً أقوى قوة سياسية في ألمانيا بنسبة 27% من التأييد، متصدراً بذلك قائمة تأييد الناخبين للمرة الأولى منذ سبتمبر/أيلول 2025، مقابل تراجع حاد لحزب "الاتحاد المسيحي الديمقراطي"، الشريك الأكبر في الائتلاف الحاكم (23%) ومعه الاشتراكي الديمقراطي (13%). ووفقاً لاستطلاع آخر نشرت نتائجه هيئة البث الألمانية العامة "زد دي إف" أول من أمس الجمعة (17 إبريل)، فإنه إذا أُجريت انتخابات برلمانية اليوم الأحد، فسيحافظ "البديل" على نسبة 26% من الأصوات، متقدماً بفارق طفيف على التحالف المسيحي المحافظ بقيادة المستشار فريدريش ميرز، الذي تراجع بنقطة مئوية واحدة ليصل إلى 25%. فماذا عن تداعيات التراجع الدراماتيكي لحزب المستشار ميرز وأسبابه، وما منحى المرحلة السياسية المقبلة في ألمانيا، بظل التقدم الملحوظ لليمين الشعبوي الذي يتحضر لـ"ألمانيا البديلة"، وهل يمكن لأحزاب الائتلاف الحاكم التعويض قبل الانهيار الكبير؟
شلل سياسي
بيّنت القراءات والردود المثارة أن آخر ما يحتاج إليه ميرز هو الاطلاع على آخر استطلاعات الرأي، لأنها تُشكّل بحد ذاتها اتهاماً سياسياً له ولحكومته، لا سيما أن نسبة 23% من التأييد، تعد الأدنى مستوى لحزبه منذ ديسمبر/ كانون الأول 2021، مقابل توسيع حزب "البديل من أجل ألمانيا" لتقدمه، كأقوى قوة سياسية في البلاد بأربع نقاط كاملة.
وانطلاقاً من هذه الأرقام والتراجع الملحوظ لـ"الاتحاد المسيحي" وما تُبيّنه استطلاعات الرأي بأن أربعة من كل خمسة مواطنين ألمان غير راضين عن ميرز، رأى الباحث السياسي والاقتصادي توماس ستيلر، في حديث مع "العربي الجديد"، أن التراجعات تعكس الأداء المخيّب لميرز، من صعوبة ترجمة وعوده الانتخابية إلى نتائج عملية وافتقاره لاستراتيجية واضحة، إلى الأفعال المتناقضة والاكتفاء بخطابات رنّانة. ومما لا شك فيه، وفق الباحث، فإن ميرز يحاذر المغامرة في بعض القرارات محاولاً إمساك العصا من النصف، في وقت تحتاج فيه البلاد، وفي ظل هذه الأزمات، إلى اتخاذ قرارات مصيرية تسمح للمواطن بالاطمئنان على مستقبله، وأهمها في ما خصّ القضايا الاجتماعية والطبابة والتعليم والبنية التحتية.
وأوضح ستيلر أن الأرقام عادة ما تتحدّث بلغة قاسية وما تبرزه الاستطلاعات ليس سوى صكّ ضد الحكومة الائتلافية بزعامة ميرز، والتي تبنت في ربيع عام 2025 اتفاقية ائتلافية طموحة تحت شعار "المسؤولية تجاه ألمانيا". فمجلس الوزراء، وفق شرحه، لم يقدّم حتى الآن إلا صندوقاً خاصاً من الديون بقيمة 500 مليار يورو ستدفعه الأجيال المقبلة، إلى جانب ما يتكبده المواطن من تكاليف إضافية لأسعار الطاقة في ظلّ الحرب الأوكرانية ثم الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، مع الإعلان عن نقص هائل في احتياطات الغاز في البلاد، وغياب إصلاحات الرعاية الطبية، وبروز انتقادات بخصوص توزيع مليارات الدعم حول العالم، في وقت بدأ فيه المواطن الألماني يئن مجدداً تحت وطأة تكاليف المعيشة والرسوم المرتفعة.
توماس ستيلر: تبرز انتقادات لحكومة ميرز بخصوص توزيع مليارات الدعم حول العالم، في وقت بدأ يئن الألمان تحت وطأة تكاليف المعيشة
ويجب عدم إغفال أن "البديل" استطاع تأليب الشباب على الأحزاب التقليدية بتصويبه على قضايا أساسية، مثل اللجوء والضرائب على الدخل، كما على الإيجارات المرتفعة وتراجع مستوى الخدمات في البلاد، بظلّ البيروقراطية المتبعة، والتضخم الذي عاد يطل برأسه مع تجدد الأزمات والحرب في الشرق الأوسط التي فرضت تداعياتها الاقتصادية على بلد مصّدر مثل ألمانيا.
واعتبر ستيلر أن نسبة 27% التي حصل عليها حزب "البديل من أجل ألماني" ليست صدفة، بل نتيجة سنوات من الفشل السياسي للأحزاب التقليدية، وبمثابة تحذير يتعين على الحكومة الاتحادية أن تأخذه على محمل الجد، لأن الناس سئموا من الدفع بسياسات لا تصب في مصلحتهم، ولجوء المسؤولين إلى خطابات جوفاء، فضلاً عن قناعة لديهم بتبديد لأموال الضرائب على دعم اللاجئين، إن كان من الشرق الأوسط وأفريقيا أو من أوكرانيا.
ألمانيا البديلة
وعن إمكانية تولي "البديل" السلطة خلال ثلاث سنوات، أي بعد الانتخابات البرلمانية العامة في 2029، أعرب ستيلر، من جهته، عن اعتقاده بأن استمرار ميرز وحكومة "الائتلاف الكبير" التي تضم "الاتحاد المسيحي" و"الاشتراكي الديمقراطي" في مقاربة القضايا الأساسية التي تهم المواطن بذهنية ترقيعية وعجز عن القيام بإصلاحات جذرية، وتخفيف العبء عن دافعي الضرائب وتأمين الحدود وتعزيز الاقتصاد لتحسين النمو، يعني استمرار انهيار حزب المستشار بلا هوادة، وبالتالي الإدراك بأن الناخبين، في الدورة الانتخابية المقبلة في 2029، سيكون اتجاههم واضحاً للمحاسبة الحقيقية.
ولم يستبعد الباحث أن تكون زعيمة "البديل" أليس فايدل المستشارة المقبلة لألمانيا، مع ما يحققه حزبها من مستويات قياسية في استطلاعات الرأي منذ أشهر والكسب الذي يحققه "البديل" في انتخابات البرلمانات الولائية، كما لم يستبعد فرض "البديل" تحالفاً حكومياً اتحادياً مع "الاتحاد المسيحي"، الذي لا يزال حتى الآن متمسكاً بـ"جدار الحماية" السياسي ضد اليمين المتطرف، توازياً مع ركود لحزب الخضر، وكذلك للحزب الاشتراكي الذي أضحى يفتقد إلى خامات قيادية أمثال غيرهارد شرودر وهيلموت شميت.
ويندرج هذا الطرح مع ما بينته تقارير صحافية بينها لموقع "نيوس" في 16 إبريل الحالي، من أن "البديل من أجل ألمانيا" أعد خطة سرّية للاستيلاء على السلطة، وأنه قدّم خلال اجتماع كتلته في مدينة كوتبوس (براندبرغ) يوم السبت في 11 إبريل، مشروعاً استراتيجياً بعنوان "ألمانيا البديلة" يهدف إلى حصر جميع المشاريع التي ينبغي تنفيذها فوراً، عند مشاركة اليمين الشعبوي في الحكومة المقبلة، وكيفية تمويلها، وتحديد أولويات الحزب بشكل منهجي.
ومن زاوية أخرى، قدّمت خلال الاجتماع مقترحات أولية وعرضت تكاليف تقديرية لهذه التدابير، بينها في مجال البيئة والسلامة النووية وإلغاء تسعير ثاني أوكسيد الكربون، إلى استحقاقات التقاعد العادلة وكيفية تمويل اشتراكات التأمين الصحي، وخفض ضريبة الطاقة والاستثمار في البنية التحتية، فضلاً عن خطط إصلاح قانون الجنسية. ومن ناحية أخرى، طلب استعداد "البديل" لمحادثات محتملة مع أحزاب أخرى بينها التفاوض مع "الاتحاد المسيحي" أو "الاشتراكي الديمقراطي"، والطلب من مجموعات العمل الحزبية في "البديل" تقديم خريطة طريق لتقديم تكاليف الإجراءات واقتراح مصادر التمويل وترتيب أولوياتها وفقا لأهميتها. وحدّد الحزب اليميني المتطرف، هدفاً يتمثل بأن يكون لدى كل وزارة خمسة مشاريع قوانين أو لوائح مكتملة خلال الأشهر الستة المقبلة والتي يمكن أن تحقق توفيراً كبيراً. وفي مقترحات الميزانية، يدرس "البديل" 1100 بند قابلة للتعديل بينها 90% تقريباً تتضمن تخفيضات في الإنفاق.
سفينيا بولمان: قد يساهم تغيير نهج الحكومة في كسر القفزات التراكمية لـ"البديل" في استطلاعات الرأي
وكانت صحيفة دي فيلت بيّنت، يوم 15 إبريل، أن فايدل منعت أخيراً أعضاء بحزبها من السفر إلى روسيا للمشاركة في أحد المؤتمرات، معتبرةً أن السبب في ذلك تكتيكي، واعتقاداً منها بأن ذلك قد يعرض منصبها كمستشارة مستقبلية للخطر، حتى إن "البديل" مبتعد حالياً نوعاً ما عن المجاهرة في مواقفه المؤيدة لموسكو. وذكرت الصحيفة أن ما يتطلب من اليمين الشعبوي فعله، هو العمل على تخفيف حدة الاتهامات بالنازية الموجهة إليه، وكلما تقدم في الاستطلاعات وزادت احتمالية المشاركة في الحكومة المقبلة، ستتغير حدة الهجمات الإعلامية ضده.
استيعاب الاستياء الشعبي
من جهتها، رأت الباحثة في علم الاجتماع السياسي سفينيا بولمان، في حديث مع "العربي الجديد"، أنه من أجل مواجهة تقدّم "البديل"، ينبغي على شركاء الائتلاف، وفي طليعتهم "الاشتراكي"، العمل على استعادة ثقة الناخبين بعد الانتكاسات المتتالية أخيراً في الانتخابات الولائية، وبذل الجهود من أجل عدم اتساع الفجوة بين قيادة الحزب والنقابات وخلق حوارات معها لمواجهة الأزمات الراهنة، ولتفهم الموظفين والعمّال الذين يتعرضون لضغوط كبيرة توازياً مع الإعلان عن حالات إفلاس كبيرة للشركات. واقترحت من ضمن الخطوات الممكنة، منح بدلات إضافية عادلة على بدل النقل وتخفيضاً مؤقتاً للضريبة على الطاقة، والسعي من أجل الحد من الضرائب بهدف كبح جماح التضخم المتزايد في وقت مبكر، أي التمسك بالمقترحات التي تقدم بها الزعيم المشارك لـ"الاشتراكي" ووزير المالية لارس كلينغبايل، المطلوب منه إقناع حزب المستشار ميرز بطروحاته، بعدما اعتبرها الأخير مكلفة وغير فعّالة، معتبرة أن الوقت لا يزال سانحاً لخلق المزيد من الانسجام السياسي مع "الاتحاد المسيحي". هذا كلّه، برأيها، يساهم بكسر القفزات التراكمية لـ"البديل" في استطلاعات الرأي.

Related News
"السلطانة" توركان شوراي... جمالٌ ينجو من الزمان
alaraby ALjadeed
51 minutes ago
صراع الساحات
alaraby ALjadeed
1 hour ago