Arab
لا شك أن اعتماد الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون جزءاً من كل، وهو ما يتطلب ما هو راهن وما هو مستقبلي. ومثل هذه الرؤية تظل مرهونة التحقق بعوامل أعمق، كونها تعبّر عن مدى قدرتنا على بناء عقد اجتماعي جديد يحتل الجانب المعرفي مكانه فيه، مع متطلباته بما هي إعادة تعريف العلاقة بين التعليم والمواطنة، وبين التقنية والهوية الثقافية لمجتمعاتنا.
فالذكاء الاصطناعي الذي يحمل في طيّاته إمكانات غير محدودة، قد يُعيد في الوقت نفسه إنتاج التفاوت الاجتماعي، إذا ما تُرك للمنصات الكبرى أن تتحكم فيه من دون ضوابط ثقافية وتشريعية محلية، معطوفة على حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية. لقد أنتج التطبيق المشوّه للعقد الاجتماعي المعمول به مجتمعاً طبقياً مشوّهاً لم يخرج من الماضوية التي تكبح انطلاقته. وإلا كيف يمكن تفسير احتكار جودة التعليم في طبقات وفئات محددة، وتُحرم منها غالبية مجتمعاتنا. فالإدماج الحقيقي للتقنية لا يتحقق باستيرادها من مجتمعات متقدمة، إذ يتطلب بداهة التحكم في شروط إنتاجها، وتوجيه استخدامها بما يخدم مشروعاً حضارياً متكاملاً. وهذا المشروع لا يزال مفقوداً في بلادنا العربية، كونه يفتقر إلى قواه التحديثية التي تتولى إنتاجه وإقراره وإقناع سائر مكوّنات المجتمع بالمساهمة في تعميم منافعه.
وعليه، ليس من المبالغة في شيء القول إنّ رهانات التعليم في العالم العربي يجب أن تكون مرتبطة مباشرة بقدرتنا على حيازة المعرفة أداة تغيير سيادية. فالمعرفة التي نعمل بموجب أحكامها اليوم هي نتاج مجتمعات تمكّنت من صياغتها انطلاقاً من طبيعة قواها التي تعبّر عن مصالح استمرار الهيمنة على المجتمعات الداخلية والخارجية. لذا تعمل على توليد الكفاءات المحلية وجذب ما ينقصها من الأسواق البعيدة، التي تعاني من نزف في عقول أبنائها الذين سبق وقصدوها، واندمجوا فيها بعدما باتوا جزءاً من مكوّنها الثقافي والحضاري. فالعلاقات والأسواق اليوم لم تعد تُدار بالعاطفة والحنين، ولا حتى برؤوس الأموال، بل بمن يمتلك القدرة على بناء خوارزميات تتحكم في السلوك البشري، وتُنتج المعايير. والمؤكد أنّ المدرسة أو الجامعة التي تفشل في أن تُدرّب طلابها على التفكير النقدي المتحرر من الرواسب، والمتفاعل مع التقنية الحديثة تُكرّس التبعية المعرفية من جهة، والدونية الحضارية من جهة ثانية.
والنهضة المطلوبة تتجاوز ما نصفه بالبرنامج الإصلاحي التقني الذي يمكن أن يُسكِّن أمراض التخلف لأوقات قصيرة. وهو لا يتحقق من خلال إدراج الذكاء الاصطناعي في المناهج التعليمية، بل يجب أن نُعيد عبره طرح الأسئلة الجوهرية التي لم تطرحها مجتمعاتنا، أو بالأصح لم تُجب عنها عندما طرحها مصلحونا الذين كانوا يحرصون على خروجنا من الهوّة التي سقطنا فيها عندما خرجنا من العصر. إنّ الأسئلة التي نتحدث عنها تتعلق بالمجتمعات التي يجب أن نبنيها على ضوء هذا الخراب العميم الذي وصلنا إليه، وما هي المعرفة التي يجب أن نحصل عليها؟ وما هي الثقافة التي لا بدّ وأن ننتجها وكيف لها أن تساهم في مسار الحضارة الإنسانية؟ وما هي الغاية من التعليم الذي نقدّمه لتلاميذنا وطلابنا؟ وما هو موقع لغتنا العربية خلالها؟ هل هي كمّ زائد أم أنّ لها دورها الحضاري الرائد كما كانت عليه في العصور الوسطى، عندما كانت لغة العلم والثقافة؟ وكيف نرفع من شأنها بما يتجاوز عملية التواصل اليومية وترجمة مفاهيم ومصطلحات الغير؟
(باحث وأكاديمي)

Related News
أرتيتا: أرسنال لن يرضى بغير الفوز على السيتي
aawsat
20 minutes ago
مدرب تشيلسي يتمسك بأمل التأهل لـ«أبطال أوروبا»
aawsat
34 minutes ago