Arab
تواجه الفتيات والنساء في تونس أشكالاً مختلفة من العنف الإلكتروني، ويقعن في أفخاخ التشهير والتهديد ونشر معلومات وصور خاصة بهنّ تتسبّب في مشاكل جمّة لهن قد لا يستطعن معالجتها من خلال تدخلاتهنّ الشخصية، أو حتى تلك التي لعوائلهنّ والمقربين منهنّ، ثم يصطدمن في حال قررن مواجهة الظلم الذي يتعرضن له بمسار قضائي معقّد وطويل ومكلف لا يضمن النتائج، وقد يبدّد حقوقهنّ بدلاً من إنصاف حالاتهنّ التي تمثل اعتداءً مباشرة عليهنّ بكل معنى الكلمة.
قبل نحو 6 أشهر تعرضت طالبة جامعية تدعى سناء (23 سنة) لاعتداء رقمي حوّل حياتها إلى جحيم بعدما نشر أحد أفراد أسرتها معلومات ومحادثات وصوراً خاصة لها على تطبيق "تليغرام" للانتقام منها بعدما رفضت خطبته.
ولا تزال سناء التي تنتمي إلى أسرة محافظة تعيش في إحدى محافظات وسط شرقي تونس، غير قادرة على مواجهة أسرتها الكبيرة، وتتجنّب العودة إلى مسقط رأسها بعد تداول محادثاتها وصورها الشخصية على نطاق واسع، والتي خضعت لتعديلات عبر الذكاء الاصطناعي ما حوّلها إلى محتوى فاضح.
تقول الشابة العشرينية لـ"العربي الجديد": أصبت بصدمة نفسية كبيرة لا أزال أعاني من أثارها حتى اليوم نتيجة الشرخ الذي سببته الحادثة في علاقاتي مع عدد من أفراد عائلتي، رغم أنني حصلت على دعم والدي، وأتوقع أن يستمر الأثر النفسي لهذا العنف فترة طويلة".
وبعد حادثة النشر جمعت سناء كل أدلة العنف الرقمي وقدمت دعوى قضائية لم تؤدِّ إلى استدعاء المشبوه للتحقيق لأسباب لا تزال تجهلها ما يزيد شعورها بالغبن.
ورغم اعتماد تونس القانون الخاص بالقضاء على العنف ضد المرأة في 2017، يواجه تطبيقه في المجال الرقمي تحديات أبرزها صعوبة الإثبات وسرعة انتشار المحتوى. وتخبر سناء أنّ المسار القضائي لمعاينة الصور والمنشورات ودفع أتعاب مكتب المحاماة كلفها أكثر من 500 دولار حتّى الآن، وهذا مبلغ مرتفع بالنسبة إلى طالبة لا تملك دخلاً فردياً منتظماً، وتعوّل على أسرتها بالكامل، "لذا لا أستبعد عدم إكمال مسار القضية الذي لم يبدأ بعد بسبب عدم قدرتي على تحمّل نفقات المحامي وطول إجراءات التقاضي".
وبحسب دراسة أجرتها جمعية "تقاطع" تعد الناشطات والصحافيات في تونس الأكثر عرضة للتشهير والعنف الرقمي بسبب آرائهنّ العلنية، كما تشمل حالات العنف التي وثقتها الجمعية مراهقات بسبب ضعف الوعي الرقمي أحياناً.
وتؤكد الدراسة أن "العنف الرقمي يُستخدم سلاحاً في نزاعات عائلية تشهد تعمّد التشهير بهدف الانتقام، كما تتلاقى الهشاشة الرقمية مع تلك الاجتماعية، ما يجعل بعض النساء أكثر عرضة للعنف الرقمي وأقل قدرة على الدفاع عن أنفسهن. النساء اللواتي يرغبن في الإبلاغ عن العنف الرقمي يواجهن سلسلة عراقيل أبرزها إثبات الجريمة وتوثيق الأدلة، إلى جانب طول آجال التحقيق وتأخر ملاحقة الجرائم الرقمية التي تنتشر بسرعة".
وترى مديرة برنامج الجندر والأقليات في جمعية "تقاطع" غفران الفريجي، في حديثها لـ"العربي الجديد"، أن الكلفة المالية لمتابعة قضايا العنف الرقمي وتسديد تكاليف الخبراء التقنيين، وأيضاً الضغط النفسي والاجتماعي والخوف من الفضيحة، تدفع بعض النساء إلى التراجع عن مسار القضاء"، وتتابع: "بدلاً من أن يكون القضاء ملاذاً يتحوّل أحياناً إلى عبء إضافي نتيجة طول الإجراءات ما يجعل الضرر مستمراً خاصة مع استمرار تداول المحتوى السيّئ وصعوبة سحبه من المنصات الرقمية".
وتنتقد "محدودية التكوين في الجرائم السيبرانية ونقص الإمكانات التقنية في التحقيق وإثبات الجرم وغياب مسارات سريعة للقضايا الرقمية المستعجلة، وتشدّد على ضرورة تبسيط إجراءات التبليغ عن هذه الجرائم عبر منصات رقمية رسمية تسمح بتقديم شكاوى، وتسريع البت في قضايا العنف الرقمي ودعم الضحايا نفسياً وقانونياً، وتكثيف الرقابة على المنصات الرقمية". وفي زمن تتسارع فيه الانتهاكات الرقمية تبدو حماية النساء في الفضاء الافتراضي أبطأ من الخطر نفسه".
إلى ذلك تتعرّض نساء في تونس إلى خطاب كراهية على وسائل التواصل الاجتماعي ما يحدّ من مشاركتهنّ في الحياة العامة، ويساعد في خلق بيئة لا ترحب بهنّ وفق نتائج دراسة أجرتها منظمة "تقاطع".
وعام 2021 كشف استطلاع للرأي أجراه مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة في شأن العنف الرقمي على "فيسبوك" أنّ 51% من النساء اللواتي شملهنّ الاستطلاع تعرّضن لعنف لفظي، و24% لعنف جنسي، كما أظهر الاستطلاع أنّ 71% من مرتكبي العنف هم رجال، وأنّ 60% من النساء اللواتي يستخدمن "فيسبوك" لا يشعرن بأمان في الفضاء الرقمي.
والعام الماضي أطلقت وزارة المرأة حملة "ما تخليش الوحش يعيش" (لا تتركي الوحش يعيش)، بعدما اتخذت ظاهرة العنف الرقمي أشكالاً عدّة وغير متوقعة عبر استهداف نساء ينشطن على شبكات التواصل الاجتماعي.
وهدفت الحملة التي شارك فيها مركز البحوث والدراسات والتوثيق حول المرأة "كريديف"، إلى الحدّ من مخاطر العنف الرقمي على الفتيات والنساء اللواتي يقعن ضحايا الابتزاز الذي وصفته الحملة بأنه "وحش" نتيجة سوء استخدامهنّ الوسائط الرقمية.
وقدمت الحملة مجموعة توصيات للفتيات والنساء اللواتي يستخدمن الفضاء الرقمي من أجل الحدّ من الاختراقات التي تستهدف حياتهنّ الشخصية، ورفع نسب حماية حساباتهنّ من الابتزاز بسبب كشف معطيات أو معلومات شخصية يمكن أن تستخدم خارج الأطر القانونية.

Related News
أرتيتا: أرسنال لن يرضى بغير الفوز على السيتي
aawsat
22 minutes ago
مدرب تشيلسي يتمسك بأمل التأهل لـ«أبطال أوروبا»
aawsat
36 minutes ago