Arab
تشهد قصص اللبنانيين على قسوة النزوح في الحرب الإسرائيلية الحالية على بلدهم، وهي أكثر قسوة على المعوقين في أماكن غير مجهّزة لاستقبالهم وتلبية احتياجاتهم الخاصة.
في السلم كما في الحرب، يبقى ملف الأشخاص ذوي الإعاقة من الأكثر هشاشة في لبنان في ظل غياب خطط الطوارئ التي يفترض أن تضعها الدولة كي تراعي احتياجاتهم وتوفر التجهيزات المطلوبة التي تضمن حقوقهم الأساسية. داخل المدينة الرياضية في بيروت التي فتحت أبوابها للنازحين بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب، خُصص قسم لاستقبال معوقين ضمن قاعة كبيرة تحوّلت إلى مركز إيواء طارئ يتضمن خياماً لا تحتوي على تجهيزات كافية لاحتضانهم وضمان سلامتهم. ثمة سرير واحد أو فرش صغيرة في كل خيمة، وتقع الحمامات في الطابق السفلي، ما يضطر من يقصدونها إلى النزول عبر درج طويل. وهذه المرافق غير مجهّزة أصلًا لاستخدام الأشخاص ذوي الإعاقة.
وطُرحت فكرة تجهيز حمامات قرب الخيام في الطابق الأرضي، لكن تنفيذها انحصر في أيام قليلة قبل أن تتوقف لأسباب تتعلّق بطبيعة المكان والقدرة على توفير الخدمات المطلوبة. ولاحقاً جُهّزت حمامات قليلة في الطابق السفلي، لكن العديد من الأشخاص ذوي الإعاقة رفضوا النزول بسبب احتمال تعرضهم لإصابات جسدية إضافية لا تتحمّلها حالاتهم الصحية الدقيقة أصلاً.
وقد وقّع لبنان على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، لكن الدولة لم تُطبّق نصوصها على أرض الواقع لضمان توفير الحقوق الأساسية لهذه الفئة، سواء في مجالات الإيواء أو الوصول إلى الخدمات الصحية أو توفير المساعدات والمعدات اللازمة مثل الأجهزة والكراسي المتحركة، علماً أن معوقين كثيرين تركوا هذه المعدات حين هربوا من منازلهم بسبب سرعة وتيرة القصف الإسرائيلي.
في الباحة الخارجية للمدينة الرياضية، يتنقل محمد رضا على كرسي متحرك، ويروي لـ"العربي الجديد" أنه نزح مع زوجته وأطفاله الستة حاملاً معه عبء ترك منزله وصعوبة تحركه في المكان الذي نزح إليه، ويقول: "نزحت خلال الحرب السابقة عام 2024 من قرية مركبا إلى منطقة الغبيري بالضاحية الجنوبية لبيروت، والآن نزحت مجدداً إلى المدينة الرياضية بعدما بحثت أياماً عن مكان يؤويني مع أفراد وعائلتي. في الأيام الأولى نمنا في السيارة ليلاً وتجولنا نهاراً للبحث عن مكان يستقبلنا لكن من دون جدوى".
يتابع أن "المدينة الرياضية غير مجهّزة إطلاقاً للأشخاص ذوي الإعاقة، ومن جهّزوها لاستقبال النازحين لا يعرفون شيئاً عن احتياجات ذوي الإعاقة. أعمل في مجال تجهيز الأماكن المخصّصة للأشخاص ذوي الإعاقة، لذا أعرف تمامًا ما يجب أن يتوفر فيها".
ويذكر أنه "لا يوجد أي تجهيزات أو تسهيلات للمعوقين في المدينة الرياضية، وحتى الإنسان العادي الذي يستطيع المشي لا يمكن أن يعيش في هذا المكان حيث لا تتوفر أبسط حقوق الإنسان، مثل القدرة على الوصول إلى الحمامات. تقع المراحيض في طابقين سفليين، ما يفرض النزول إلى الأسفل، وبالنسبة إلى شخص يستخدم كرسياً متحرّكاً، هذا أمر مستحيل". ويتحدث رضا أيضاً عن أن الخيام غير مناسبة إذ يدخل الهواء إليها بسهولة، والأشخاص ذوو الإعاقة تكون حرارة أجسادهم غالباً أقلّ من غيرهم لذا يشعرون ببرد أكبر. وفي الليل يبدو لهم أنّهم يعيشون في الجليد، وقد اعطتنا الدولة خياماً وفرش وبطانيات للتغطية، لكن الفرش رقيقة جداً لدرجة أنّنا نشعر كأنّنا نجلس مباشرة على الأرض".
وفي خضّم هذه المعاناة، يشرح ناجي حمود، مدير المنشآت الرياضية، لـ"العربي الجديد"، تفاصيل تجهيز المكان وتلبية احتياجات النازحين، ويقول إنّ "لا رقم دقيقاً لدينا لعدد الأشخاص ذوي الإعاقة في المدينة الرياضية، لكننا افتتحنا قسماً كبيراً يتسّع لنحو 350 شخصاً، وحاولنا التركيز على تخصيص مكان واحد لهؤلاء الأشخاص من أجل تسهيل تقديم رعاية دائمة لهم". يضيف أن "هناك صعوبة في استقبال الأشخاص ذوي الاعاقة ضمن مراكز الإيواء في بيروت، لذا طلبت وزارة الشؤون الاجتماعية تخصيص قسم في المدينة الرياضية، وتوافق التصميم مع البنى التحتية للمدينة، ونعد بنقل المعوقين إلى مدرج آخر يجعل الوصول إلى الحمامات أكثر سهولة".
ويوضح أنّ "أنواع الإعاقات الموجودة متنوعة، وتشمل تلك الحركية والحسية والذهنية، وبعض الأشخاص لديهم أطفال، وخُصص موظفون أو متطوعون لمساعدتهم بحسب الطاقة الاستيعابية لكل خيمة. والأشخاص ذوي الإعاقة لا يستطيعون النوم على الفرش التقليدية فوفرنا أسرّة لهم قلّصت مساحة الخيمة ما قلّل عدد الأشخاص الذين يمكن استقبالهم في كل خيمة. سنجد حلولاً لهذه المشكلة إذ نعلم جيداً أن هذه الفئة من المجتمع تحتاج إلى اهتمام كبير".
وعن الجمعيات التي تقدم مساعدات للمعوقين يتحدث حمود عن أنّ "الصليب الأحمر اللبناني ينفذ عمليات دعم، من بينها توفير كراسٍ متحركة ومعدات خاصة لتسهيل الحركة والوصول إلى الحمامات، وتأمين احتياجات حياتية أساسية أخرى".
ويقول خضر سلامة، وهو من الأشخاص المعوقين، لـ"العربي الجديد": "جئت إلى بيروت وحدي كي لا أربك احداً بوضعي الصحي إذ أعاني من شلل نصفي ومرض السكري والتهابات في قدمي تجعل حركتي صعبة للغاية. وقبل أن أصل إلى هنا، بحثتُ عن مكان أستطيع الإقامة فيه في أكثر من منطقة، وفي النهاية جئت إلى المدينة الرياضية وانتظرت تجهيز القسم المخصص للأشخاص ذوي الإعاقة حيث استطعت الاستقرار".
وعن الصعوبات التي يواجهها يقول خضر: "صعود الدرج أو نزوله لاستخدام الحمام متعب جداً لي بسبب صعوبة حركتي وأستخدامي عكازات. وحتى المشي مسافات قصيرة يرهقني جداً لكنني أحاول أن أتحمّل بقدر الإمكان لأن الجميع يمر بظروف صعبة. حتى الطعام الذي يُقدم لنا لا استطيع تناوله في كثيرٍ من الأحيان، إذ لا أستطيع أكل الأرز. وقد أخبرت المسؤولين بهذا الأمر فأبلغوني أن الوزارة طلبت منهم مراعاة الحالات التي تحتاج إلى نظام غذائي خاص. وبالنسبة إلى الأدوية يقول: "قدم لي الصليب الأحمر اللبناني دواء السكري والأسبرين ودواءً لقدمي، وإمكاناتي محدودة ولا أستطيع طلب إجراء عملية لقدمي أو علاجات متقدمة، وأحاول أن اتدبّر أموري بما هو متاح، وأن أتحمّل الظروف بقدر ما أستطيع. ورغم كل هذه الصعوبات أنا ممتن للناس الذين يحاولون مساعدتي بقدر الإمكان، وهم لا يقصّرون بحسب إمكاناتهم. نعيش معاً ونتشارك الظروف نفسها، ونحاول أن نصمد ونواجه الحياة بما يتوفر لنا من دعم وتضامن".
وبين الواقع والتصريحات الرسمية تظهر فجوة واضحة في مستوى التجهيزات وسرعة الاستجابة، وهذا ما يؤكده جهاد اسماعيل من اتحاد المعوقين اللبنانيين الذي يقول لـ"العربي الجديد": "هناك ثغرات كبيرة في الاستجابة لأوضاع النازحين من الأشخاص ذوي الإعاقة رغم إدراجهم نظرياً ضمن خطط الطوارئ. والقسم المخصص لهم في المدينة الرياضية ليس كافياً، وطبيعة المكان الذي يحتوي على خيام تصعّب الحركة والنوم، كما يتعرّض المقيمون للبرد والحشرات. وتزداد المعاناة في المرافق الأساسية حيث الحمامات غير مجهّزة، وتتطلب غالباً نزول أدراج، ما يصعّب استخدام الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية لها. أيضاً يحتاج كثير من النازحين إلى معدات مساعدة مثل الكراسي المتحركة والعكازات. وقد وصل بعضهم إلى المدينة الرياضية من دون هذه الأدوات بعدما نزحوا بسرعة هرباً من القصف والمخاطر الأمنية. وتشمل التحديات صعوبة الحصول على الغذاء والأدوية، والحاجة إلى التغطية الصحية والوصول إلى المستشفيات عند تدهور الحالات الصحية".
ويشير إلى أن "الاتحاد يعمل حالياً على دعم النازحين المعوقين ميدانياً عبر متابعة أوضاعهم وتقديم مساعدات مباشرة أو بالتنسيق مع جهات أخرى. ويركّز على التوعية حول الوقاية والحماية، ومتابعة الأوضاع الصحية، وتأمين بعض المستلزمات الطبية والأدوات التي تساعد على الحركة، كما أنه يتواصل مع المنظمات المحلية والدولية والوزارات المعنية لضمان إدماج احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة في برامج الإغاثة وتقديم دعم نفسي واجتماعي لهم".
ورغم قسوة الحرب يحاول النازحون التأقلم مع واقع المكان وقبول ما يُقدَّم لهم، ويتجوّلون في الباحة الرئيسية ويجلسون في مجموعاتٍ صغيرة ويتبادلون الأحاديث لمحاولة كسر ثقل الانتظار وقسوة النزوح. ويقول محمد عجمي لـ"العربي الجديد": "أنا سوري مقيم في لبنان منذ 12 عاماً. نزحتُ من مخيم في صيدا مع بداية العدوان. لدي إعاقة جسدية هي بتر في القدم، وأتنقل باستخدام عكاز، وأواجه صعوبات كبيرة عند الحركة داخل المكان خصوصاً للوصول إلى الحمامات الموجودة في الطابق السفلي، إذ أضطر للنزول عبر درج، وهذا أمر شاق جداً. لم يقصر الصليب الأحمر اللبناني معنا في شيء، من الأدوية إلى تجهيزات الحركة، لكن الظروف الحالية قاسية، ولا أستطيع توفير المعيشة لعائلتي التي عادت إلى سورية".
