أفراح غزة... طقوس بدّدتها الحرب وجنون الأسعار
Arab
1 hour ago
share
تغيّرت ملامح الأعراس في غزة من مناسبات تعجّ بالحياة إلى محطات مثقلة بالهموم والتكاليف. وبين التمسك بالعادات والتقاليد والحد الأدنى من طقوس الفرح، تقف الأزمة المعيشية حاجزاً يجعل من إتمام الزواج إنجازاً. لم تعد الأفراح في قطاع غزة كما كانت قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ولم يعد الزواج محطة مُبهجة، بل رحلة شاقة تبدأ من لحظة التفكير بالخطوبة، وتستمر عبر سلسلة من التحديات التي فرضتها الحرب على أهالي غزة، لتغيّر ملامح واحدة من أهم العادات الاجتماعية الراسخة في المجتمع الفلسطيني. منذ التقدم للخطوبة وعقد القِران، يصطدم الشبان بعقبات مالية، إذ جرت العادة في غزة على اعتماد الدينار الأردني في المهور، غير أن تآكل العملة الورقية وصعوبة تداولها دفعا الكثيرين للّجوء إلى السوق السوداء، حيث يخسر أهل العروس ما يقارب ثلث قيمة المبلغ عند تحويله إلى الشيكل الإسرائيلي، وهو العملة المتداولة محلياً، وبين هذا وذاك، يقف العريس حائراً إزاء التزاماته الاجتماعية وقدرته المحدودة، في ظل انعدام مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة. مع الانتقال إلى مرحلة التجهيز، تتضاعف المعاناة، فالعروس التي كانت تنتقي احتياجاتها بهامش واسع من الخيارات، صارت تواجه نقصاً حاداً في المعروض وارتفاعاً جنونياً في الأسعار، وشحّاً في الأثاث الخشبي الذي كانت تُراوح أسعاره بين أربعة إلى خمسة آلاف شيكل (بين نحو 1300 و1600 دولار أميركي)، بينما قفزت اليوم إلى ما بين 15 و20 ألف شيكل (بين نحو 4900 و6500 دولار)، رغم تراجع الجودة بشكلٍ لافت نتيجة الاعتماد على بضائع محدودة ورديئة، مقارنةً بما كان متوفراً قبل الحرب. في حي الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، يقف محمد سالم (25 سنة) أمام ورشة صغيرة لتصليح الأثاث، يتفحص الأسعار بصمت، ليجد فجوة كبيرة بين إمكانياته المادية والأسعار الجنونية. ويقول لـ"العربي الجديد": "كنت أخطط للزواج منذ عام بعد عودتنا الأولى من النزوح، لكن كل شيء تغيّر، غرفة النوم لوحدها باتت تكلّف أكثر من 15 ألف شيكل (نحو خمسة آلاف دولار)، وهو المبلغ الذي كان يجهّز منزلاً كاملاً قبل الحرب. الجودة أيضاً سيئة، بمعنى أننا ندفع أضعاف السعر مقابل شيء أقل، بتُّ أفكر في تأجيل الزواج، لكن في الوقت ذاته لا يمكنني الاستمرار في التأجيل". لا تختلف الحال كثيراً بالنسبة لملابس العروس ومستلزماتها، إذ شهدت أسعار فساتين الزفاف وبدلات العرسان ارتفاعاً كبيراً. وبعد أن كانت قيمة إيجار فستان العروس تقارب ألف شيكل (نحو 325 دولاراً)، باتت اليوم تتجاوز ثلاثة آلاف شيكل (نحو 975 دولاراً)، في ظل تقلص الخيارات بعد تدمير العديد من صالات تأجير الفساتين. كما ارتفعت أسعار الأحذية ومستحضرات التجميل إلى مستويات غير مسبوقة، ما يجعل إطلالة العروس عبئاً مالياً إضافياً بدلاً من كونها جزءاً من فرحة طال انتظارها. ويواجه العريس تحديات لا تقل قسوة، بدءاً من تكاليف "حفل الشباب" الذي يُعدّ من الطقوس المتعارف عليها، وصولاً إلى الهدايا وتجهيز المنزل. ومع فقدان عدد كبير من الشبان لمنازلهم بسبب الحرب، بات استئجار شقة خياراً شبه إجباري، لكنه مكلف بشكل صادم، إذ ارتفعت الإيجارات من 200 أو 300 دولار شهرياً قبل الحرب إلى ما يتجاوز 1000 إلى 1500 دولار حالياً. عقد الفلسطيني أحمد أبو عجوة (29 سنة) قرانه مؤخراً، ويقول لـ"العربي الجديد": "دُمّر منزلي في الحرب، واضطررت إلى البحث عن شقة للإيجار. قبل الحرب كنا نتحدث عن إيجار تُراوح قيمته بين 250 و300 دولار، أما اليوم فإنّ قيمة إيجار أقل شقة تتجاوز ألف دولارٍ، في حال وجدنا. أعمل بشكل متقطع، ما يجعلني عاجزاً عن الالتزام بهذا المبلغ الشهري المرتفع، الأمر الذي دفعني إلى التفكير في العيش داخل خيمة، على الرغم من قسوة الحياة وانعدام أي شكل من أشكال الخصوصية فيها". ويزيد من تعقيد المشهد ارتفاع أسعار الأثاث بشكل كبير، ما يجعل تجهيز المنزل مهمة شبه مستحيلة لكثير من المُقبلين على الزواج، خصوصاً مع غلاء المواد الأساسية وقلة توفرها. وهكذا، يتحوّل بيت الزوجية من حلمٍ بسيط إلى عبءٍ ثقيل يهدد بإفشال المشروع بأكمله. بدوره، يروي ياسر عجور (26 سنة): "باتت أبسط أمور الزواج مكلفة، فأسعار قاعات الأفراح مرتفعة، وتكاليف المواصلات باهظة. حاولنا تقليص النفقات قدر الإمكان، وربما نقيم حفلاً بسيطاً، لكن حتى هذا الخيار بات يتطلب ميزانية كبيرة. لا نبحث عن الرفاهية، بل نريد فقط أن نفرح كغيرنا من الناس، لكن الواقع بالغ الصعوبة". وعند الوصول إلى يوم الفرح الذي كان يُعدّ ذروة الاحتفال، تبرز تحديات أوضح، فالولائم التي تُقام قبل مراسم الزفاف شهدت ارتفاعاً في كلفتها نتيجة غلاء المواد الغذائية، كما تضاعفت تكاليف النقل نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، بينما اعتاد أهل العريس استئجار حافلات لنقل المدعوّين. أما صالات الأفراح فقد تقلّص عددها بشكل ملحوظ نتيجة تدمير جيش الاحتلال للشريط السياحي الساحلي، وارتفعت كلفة استئجار القاعة من نحو ألف دولار قبل الحرب إلى ثلاثة آلاف دولار حالياً، رغم صغر المساحات وتراجع مستوى الخدمات. في المحصلة، تبدّلت ملامح الأعراس في غزة بشكل جذري بعد الحرب، فيما يقف الواقع الاقتصادي المأزوم حاجزاً إضافياً يعيد تشكيل مفهوم الزواج في قطاع غزة، ويجعل من إتمامه إنجازاً بحد ذاته في زمن الأزمات.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows