الجوع الصامت
Arab
1 hour ago
share
كشفت الحرب في السودان هشاشة المدن، فما إن انهارت الخدمات، حتى ظهر الجوع في المدن، وبرزت طوابير الجوعى، وزاد غياب الدولة من انقطاع سلاسل الإمداد، وانهارت الأسواق، بينما ظل الريف الملاذ القادر على إنتاج وتقديم الحد الأدنى من الغذاء، أو توزيع الجوع بطريقة لا تفضح أحداً، وتحدثك البيوت المفتوحة والموائد الممنوحة عن قيمة مشاركة الجوع. وعندما تشتد وتيرة الحروب، وآثار التغير المناخي ينزح الريفي الى المدينة فيصطدم بحقيقة أن الجوع ليس نقصاً في الطعام الذي يشاهده ولا يحصل عليه، فالفشل في الاندماج في مجتمع المدينة يشكل جوعاً آخر، ويزيد انهيار الأحلام من وتيرة الجوع فتعلو نبرته. لماذا الجوع هنا أكثر حدة وأعلى نبرة؟ سؤال يقض مضجع أحمد الشاب الريفي حديث العهد بالمدينة، والذي لم يكن ليصدق أنه قد يجوع إلى حد فقدان القدرة على التفكير. ليست هناك موائد في الشوارع كما في قريته، ولا غابة تمنح القليل من الثمار التي تسكت قرصات الجوع. هناك الكثير من الطعام خلف الأبواب الزجاجية، وفي أيدي المارّة، وفي كل مكان إلا متناول يده. المدينة لا ترحم، ولا تمنح شيئاً بالمجان، ولا تعترف بالصبر كقيمة. هنا يظهر البعد الإيكولوجي للجوع؛ فالمدينة تعتمد على شبكات معقدة، إذا انهارت، انهار معها كل شيء، أما الريف فيعتمد على الطبيعة، وإذا ضاقت، ضاق الناس معها، لكنهم لا يسقطون دفعة واحدة، فالجوع في الأرياف جزء من دورة الطبيعة، يصاحب الإنسان الريفي في هجراته بحثاً عن الماء والكلأ، وعن الحيوانات الضائعة. ويغشى الناس في قراهم حين يتأخر نزول المطر، أو حين يفشل الموسم الزراعي. حين يهاجر الشباب بعيداً يتركون وراءهم النساء والشيوخ والأطفال للجوع الصامت، ذلك لأن الريف يمتلك آليات امتصاص للجوع لا تتوفر في المدينة، مثل شبكات القرابة، وتواضع التوقعات، والرضا بالحد الأدنى. وعندما يتوزع الجوع على الجميع، مثلما يتوزع الزاد القليل يأتي اليقين، وتسكت قرصات الجوع. بيد أن الجوع أصبح سحابة تغطي معظم الكرة الأرضية. ووفقًا لأحدث تقارير الأمن الغذائي العالمية، يعيش العالم واحدة من أسوأ موجات الجوع في تاريخه الحديث، إذ يعاني نحو 733 مليون إنسان من نقصٍ حاد في السعرات الحرارية، بينما لا يستطيع 2.8 مليار شخص تحمّل كلفة غذاء صحي. ولا تتحسن مستويات الجوع العالمية منذ 2016، بل تزداد رسوخاً، ما يجعل هدف (صفر جوع) بحلول 2030 خارج المسار تماماً. وتعكس الأرقام فجوة عدالة، كما تكشف هشاشة الأنظمة الغذائية، خاصة في الدول الفقيرة. (متخصص في شؤون البيئة)

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows