Arab
تعترف الفنانة الإيرانية هدى أفشار أنّ البعد عن بلدها، يجعل ما تعيشه اليوم أكثر صعوبة، وما تشعر به مُقلق، خاصة في ظل انقطاع الإنترنت ووسائل الاتصال. تقول لـ"العربي الجديد": "هناك شعور دائم بالقلق والذنب لكونك في مكانٍ آمن، إلى جانب إحساس عميق بالعجز، بعدم القدرة على القيام بأي شيء ذي معنى من بعيد. ما نعيشه مع هذه الحرب، وحتى قبلها مع الحرب على غزة، يتجاوز العنف الجسدي. إنّه شكلٌ متطوّر للغاية من الحرب المعرفية والنفسية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث يبدو أن الحقيقة نفسها مشوشة تماماً أو غائبة كلياً من جميع الأطراف. كأنك تواجه طبقات متعددة في الوقت نفسه".
هذه الحالة من القلق والالتباس، التي تعيشها أفشار على المستوى الشخصي، تنعكس بوضوح في مشروعها الفني، حيث يتحول الشك في الصورة إلى محور أساسي في أعمالها. وهو ما يظهر جلياً في معرضها "The Fold" (الطيّة)، الذي افتتح نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي في لا كاسا إنثينديدا في مدريد، ويستمر حتى 26 إبريل/ نيسان الجاري، حيث تقدّم الصورة بوصفها مرآة تعكس الذات التي تنظر، لا بوصفها نافذة على الآخر، أو على الموضوع المنظور إليه. في هذا المعرض، وكما تقول الفنانة لـ"العربي الجديد": "كل شيء يدور حول قلب الأمور والتركيز على المشاهد نفسه وعلى فعل النظر بحد ذاته".
تنتمي أفشار، المقيمة في ملبورن، إلى موقع مركّب: فنانة "شرقية" تعمل في "الغرب"، لكنها ترفض الوقوع في الفخ التمثيلي الذي يُنتظر منها. ربما لذلك، تتجنب الطابع الشهاداتي الذي يرتبط دائماً بفنانة من الشرق تعيش في الغرب، وبدلاً من ذلك تحاول إعادة توجيه النظر نحو المتلقي نفسه. في هذا الانزياح، لا تعود الصورة وثيقة عن الآخر. إنها أداة لفحص الذات الغربية، وربما الذات الإنسانية بشكل أوسع.
التركيز على المشاهد نفسه وعلى فعل النظر بحد ذاته
يُقدم المعرض بوصفه تركيباً فنياً معقداً يجمع بين التصوير الفوتوغرافي، والعرض الإسقاطي، والشرائح، والكتاب، والفيديو. وينبثق المكوّن الفوتوغرافي من اكتشاف لافت: أرشيف الطبيب النفسي والمصوّر الفرنسي غايتان دو كليرامبو، الذي التقط أكثر من خمسة آلاف صورة في المغرب بين عامي 1918 و1919، مركزاً على "الحايك" بوصفه موضوعاً بصرياً وعلمياً في آن. لكن أفشار لا تعيد عرض هذه الصور كما هي، بل تفكّكها وتعيد إنتاجها بطريقة تزعزع ثقتها. تقول لـ"العربي الجديد": "اعتمدت استراتيجيات بصرية تُظهر أن الأرشيف يخبرنا أقل عن الأشخاص المصوَّرين، وأكثر عن المصوّر نفسه. عن منظوره والسياق الثقافي الذي شكّله".
في قاعة العرض، لا يرى الزائر الصور كاملة. تظهر مجتزأة، مبكسلة، مشوّهة. هذا الخيار، إضافةً إلى كونه جمالياً، هو أيضاً موقفٌ نقدي. تقول الفنانة لـ"العربي الجديد": "من خلال تكبير الصور وتحويلها إلى مربعات مبكسلة، أُبرز الاصطناعية والعنف الكامنين وراء هذه النظرة. أحاول إزالة المعلومات لتأكيد أنه ليس ثمة فهم أعمق يمكن تحصيله هنا". الصورة، بهذا المعنى، لا تكشف، بل تخفي؛ لا تشرح، بل تربك. وتضيف أفشار: "هذا القرار جاء بالمصادفة، هكذا ظهرت الصور عند تحميلها من الأرشيف الرقمي للمتحف. لكنني قررت الاحتفاظ بذلك، لأنه يكشف كيف تتحكم المؤسسات فيما نراه". غير أن الأهم، كما تقول، أنها لم تحاول تعويض هذا النقص: "لم أقدّم أي معرفة مفقودة. أردتُ أن أُحبط الجمهور، أن أعطّل رغبته في المعرفة، وأن أجعله يواجه نظرته الخاصة، بما في ذلك رغبته في المعرفة نفسها. يمكن القول إن المشاهد نفسه، أو النظرة التي أنتجت هذه الصور، هو الموضوع الحقيقي، وليس الأشخاص الذين تم تشييئهم فيها". ربما، لهذا السبب تحديداً، سيشعر المشاهد، أن المعرض لا يقدم أرشيفاً كاملاً، وأنه دائماً يترك فجوة ما، نقصاً أو غياباً مقصوداً أو غياباً متعمداً.
في مركز العمل، يبرز الفيديو مساحة تحليل وتفكيك. يبدأ بمشهد مُعاد تخيّله لانتحار دو كليرامبو، الذي أطلق النار على نفسه أمام مرآة، قبل أن ينتقل إلى سلسلة مقابلات مع باحثين يحاولون تفسير أعماله. غير أن هذه التفسيرات غير مستقرة. على العكس، تتناقض وتتشظى. تقول أفشار: "تهدف المنظورات المختلفة إلى إحداث تأثير توسّعي وهلوسي. وفي لحظة، يندمج الموضوع وتعبيره، تماماً على غرار انعكاسات لا نهائية في مرآة".
يستند المعرض إلى أرشيف استعماري، لكنه لا يقدّم إدانة مباشرة
غير أن المرايا تلعب دورين في المعرض: هي عنصر بصري أولاً، وثانياً بنية فكرية كاملة. في هذا السياق، تقول الفنانة الإيرانية: "يُقاد المشاهد إلى رؤية صورته في الحقيقة التي يبحث عنها أو في الصور التي يشاهدها". هنا، لا يعود الحجاب موضوعاً خارجياً، بل يصبح وسيطاً يعكس انحيازاتنا نحن. وعن "الحايك" تحديداً، تقول الفنانة "بدلاً من التركيز على اللباس أو تاريخه، أحاول أن أُجبر المشاهد على رؤية نقاط عماه. ما يهمني ليس تحليل الحايك، بل النظرة التي أنتجت هذه الصور". بهذا المعنى، تفصل أفشار بين اللباس والإسقاطات الاجتماعية المفروضة عليه، من دون أن تتخلى عن نقدها. ورغم أن المعرض يستند إلى أرشيف استعماري واضح، فإنه لا يقدّم إدانة مباشرة. بل يذهب أبعد من ذلك، نحو تفكيك آليات الرؤية نفسها. فالفنانة كما توضح، حاولت أن تجعل الأرشيف أكثر صعوبة في الوصول، لقطع الطريق على فكرة أن الصور تمنحنا معرفة مباشرة". المعرفة هنا ليست معطى جاهزاً، بل سؤال مفتوح.

Related News
أوروبا تتحرك لتأمين وقود الطائرات وتفادي أزمة صيفية
aawsat
11 minutes ago