Arab
مثل كلّ المجانين اللطفاء بالكتابة، وبأنفسهم، ومثل كلّ أصحاب المسامرات الآتين من الجنوب، كان الراحل يحيي الطاهر عبد الله، رغم أنّه مات منذ سنوات اقتربت من الخمسين إلا قليلاً من دون أن يقصد، يُلقي بذور أساطيره من دون أن يتعمّد في أحراش القاهرة وبطونها، بين غرف أحبّته أو رفقائه من الناس البسطاء أو من الكتّاب. يلقيها هكذا في سهرة، أو في نادرة، موقفاً عصبياً أو رقصةً جميلةً، كما حدث له في منزل في السيّدة زينب في وجود الراحل غالب هلسا الذي ظلّ منبهراً به وبالرقصة، وكتب مقالاً جميلاً عن تلك الليلة.
كان يحيي يجيد رمي بذور أساطيره سواء على هامش الجلسات أو الاستعداد للثورة التي كان يرعى بذورها في بولاق الدكرور أو إمبابة أو محطّة مصر أو غرف الطلبة في السيّدة زينب، وخاصّةً طالب الطبّ الذي أهدى إليه يحيي كتاباً من أوائل كتبه. كان يحيي يبني ذلك الهرم من أساطيره، حتى في شارع عبد الخالق ثروت أو شارع 26 يوليو في كتابة قصّة عشقه لتلك الفتاة التي يعمل والدها في "البوسطة" القريبة من الشارع.
كان يحيي أيضاً يحرّض بولاق أبو العلا بحاراتها الضيقة أن يخرجوا إلى شارع 26 يوليو كي يشهدوا على ثقل دمّ مخالي وحساباته القاسية في مشربه أو ضلاله أيضاً، أو مشاكسات يحيي التي لا تنتهي حتى مع "ذباب وجهه"، كما ذكر الراحل صلاح عيسى عنه؛ ماذا كان يريد يحيي من مخالي؟ وماذا كان يريد يحيي من ذلك الدكتور المصري الذي أدمن الأكاذيب في النقد بعدما سافر إلى جبال اليمن؟
كان يحيي يمشي وكأنّه كتلة من المسامرات التي تتعلّق بالفقراء من أشجار ألف ليلة وليلة و"بعّاري" أسواق بغداد وأسواق الخضار المليئة بالصعايدة وبالناس العاديين من البيّاعين وخاصّةً رجب، كان يحيي وكأنّه إسكافي مودّة الحكايات في قلب هامش القاهرة بعدما أتقن وتعلّم كيف يدقّ بمطرقة الحكايات لمستمع، وكيف يدقّ مسامير الحكايات في لحم الجمل الطالعة من مخالب جُمله المدهشة.
كان يحيي كتلةً من مسامرات الناس حين تدخل فقيرة بعد تعب السوق والكسب القليل، إلى خمّارة مخالي، ومخالي نبيه بالطبع، ويعدّ الكؤوس من دون أن يفرط في قرش.
كان يحيي غير مهووس بأن يوضع اسمه في يافطة شارع في حارة قديمة كاتباً أو أديباً، ولم يكن يطمع في جائزة من الدولة، ولم يكن يكتب كي ترضى الحِسان عنه حول "حمام الملاطيلي"، أو بالقرب من فيلا أمّ كلثوم... كان يحيي يكتب كي يزرع أساطيره من دون أن ينتظر، في عمره القليل، جني ثمارها؛ كان يزرع موته، فنال من ذلك العمر الطويل، بعد موته، الممتدّ في عمر الكتابة.
راهن يحيي على أساطير سامره في الحكاية، فالحكاية وهو يكتب هي سامره، وسامره كانت أساطيره، لماذا يعيش يحيي للآن من دون سند من وزارة ثقافة، ومن دون سند من مجلس أعلى للثقافة، ومن دون سند من جريدة كان يترأّس تحريرها، ومن دون سند من شارع أو سبيل أو كتّاب استطاع أن يستجديه من السلطة كي يسند به كتبه العرجاء، وقد صار الشارع باسمه، والكتّاب باسمه، والسبيل باسمه، والجريدة باسمه، ومعرض الكتاب باسمه. لم يلمس يحيي تلك المحرّمات بالنسبة إليه أبداً ولا اقترب منها، بل فقط ترك أساطيره وسامره في بطون القاهرة وأزقّتها وأحراشها، سواء في إمبابة أو بولاق الدكرور أو بولاق أبو العلا أو السيّدة زينب أو محطّة مصر مع صعايدة الليل من المسافرين بقسوة الحكايات على ظهورهم مع الشاي المرّ. فقط أطلق يحيي مسامراته، وما زالت مسامرات يحيي تحيا رغم أنف عساكر الأدب وتعيش وتتناسل أيضاً.
ما زال يحيي هناك في غرفة طالب الطبّ بالسيّدة زينب يمرح أو يحكي، وما زال يحيي في المرج يغمز ضاحكاً للراحل يوسف أبو رية حين يدخل عليه بصديق لا يطيقه يحيي، ما زال يحيي يحكي على المقهى ويتّهم من يكتب في "جرائد النفط" ساعتها في أواخر السبعينيّات بأنّهم من المخابرات الأميركية لمجرّد امتلاكهم لعلبة سجائر واحدة، أو وهو يدلق وجبة العدس من فوق السخّان، بحجّة أنّ الثورة لن تنتظرنا حتى يطيب العدس.
هكذا صنع يحيي من أساطيره تلك الحقائق التي لها حجّة الحديد وصلابته، صنع حكمةً ما نادرة، حكمةً تعيش في السامر وتنبت، حكمة مزدانة بتاج النقاء والجنون معاً، فبقي معنا خالداً، وكلّ يوم يسبقنا إلى تلك الكتابة المدهشة التي يتمنّاها الجميع؛ نعم ما زالت أساطير يحيي الحياتية صالحةً لإثارة الدهشة، وليس لإثارة الضحك فقط.
هل كان يحيي على وعي ما بزراعة تلك الأساطير، وخاصّة في ستينيّات القرن الماضي وسبعينياته، حتى جاءت فاجعة موته، وكانت فاجعةً أيضاً في طعم الأسطورة التي صنعها وزرعها القدر في تلك المرّة ليحيي، فقد انقلبت السيارة في الطريق الصحراوي بهم، فحاول أن يفرّ من الموت أولاً، فكان من نصيبه أنّه كان الميت الوحيد.

Related News
مشروع قانون يادان لتجريم انتقاد إسرائيل في فرنسا
alaraby ALjadeed
35 minutes ago