Arab
أثارت الحرب في المنطقة الحديث عن منافسة اليوان الصيني للدولار بشكل أكثر فعالية، حيث بدأت إيران قبول المدفوعات باليوان للسماح لسفن الشحن بالمرور بأمان من مضيق هرمز الذي أغلقته ردا على الحرب عليها. ووفقا لتقرير وكالة بلومبيرغ المنشور الثلاثاء، فإنه رغم فرض حصار أميركي على الموانئ الإيرانية، فإن الحرب أعادت بشكل عام إحياء الحديث عن البترويوان الذي دافع عنه الرئيس شي جين بينغ خلال زيارته للمنطقة عام 2022.
ويقصد بالبترويوان أو اليوان النفطي تسعير مبيعات النفط الخام باليوان الصيني، وهي على غرار البترودولار أو الدولار النفطي، أي تسعير المبيعات بالدولار. ويُمثل النفط الخام خمس التجارة العالمية المقومة بالدولار، وأي تغيير في تسعيره وتسويته سيؤدي إلى إضعاف هيمنة الدولار على النظام النقدي العالمي. وتسعى العديد من الاقتصادات الناشئة بالفعل إلى تقليل اعتمادها على عملة تستخدمها الولايات المتحدة بشكل متزايد سلاحاً.
توسع البترويوان
يرى محللون أن حجم النفط الخام المُقوّم باليوان ازداد بسبب الحرب، بينما يرى آخرون أن ذلك سيستغرق وقتاً، وحقق نظام المدفوعات الصيني بين البنوك عبر الحدود (CIPS) نحو 1.22 تريليون يوان (179 مليار دولار)، متجاوزًا حاجز التريليون لأول مرة. وقالت الخبيرة في دويتشه بنك ماليكا ساشديفا، في مذكرة حديثة، إن الحرب أدت إلى "تراجع هيمنة البترودولار، وبداية ظهور البترويوان". وبلغت قيمة المدفوعات والمقبوضات باليوان بين الصين والمنطقة نحو 1.1 تريليون يوان في عام 2024، مسجلةً نمواً سنوياً بنسبة 53% منذ عام 2020.
وشملت غالبية هذه المعاملات الأوراق المالية، وليس السلع، التي شكلت 18% فقط من الإجمالي. وفي ما يتعلق بتسويات السلع العالمية، توقع تشو تشاوي، المدير التنفيذي لمعهد الشرق الأوسط في كلية إدارة الأعمال بجامعة بكين، أن تنخفض حصة الدولار إلى حوالي 70% من 80% حالياً خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما سترتفع حصة اليوان من 4% إلى 5% حاليا إلى 8% و10%.
ووفقا لبلومبيرغ، فقد استمد الدولار جاذبيته في الأصل من اتفاقية عام 1974 بين الولايات المتحدة والسعودية لتسعير وتسوية أسعار النفط بالدولار، حيث وافقت الرياض على إعادة استثمار عائدات صادراتها في سندات الخزانة الأميركية. وترى الوكالة أن اتجاه السعودية ودول الخليج للبترويوان سيُضعف أساس ربط عملاتها بالدولار، كما أنها ستثير غضب ترامب، الذي سبق أن هدد الدول التي ستتخلى عن الدولار في معاملاتها التجارية.
معوقات هيمنة البترويوان على حساب البترودولار
يعد تردد بكين في تبني التدفقات النقدية الحرة من عملتها وإليها أحد العوامل الرئيسية التي تبطئ توسع التداول الخارجي باليوان. وبلغت الودائع المقومة باليوان في الأسواق الخارجية نحو 1.6 تريليون يوان حتى مارس/آذار من العام الماضي، بينما بلغت قيمة الأصول المقومة بالدولار في الأسواق الخارجية أكثر من 15 تريليون دولار. وقال الخبير في شركة بي إن بي باريبا لإدارة الأصول تشي لو إن "صراعات الشرق الأوسط ستزيد الحافز لاستخدام اليوان الصيني في تجارة النفط، لا سيما في الدول النامية. لكنها لن تُحدث تحولاً جذرياً، لأنه لا يوجد منافس قادر على استبدال الدولار لفترة طويلة".
بينما قال الأكاديمي في جامعة غريفيث الأسترالية هوي فنغ إن "إدارة ترامب تشعر بالقلق إزاء تداعيات زيادة استخدام اليوان في تجارة النفط، ولا يمكنها السماح بحدوث ذلك. لا نعرف النتيجة النهائية للحرب بعد، ولكن من المستبعد للغاية أن نشهد أي مكاسب إيجابية لليوان". وأكد الرئيس السابق لقسم الصين في صندوق النقد إسوار براساد أن "مفهوم البترويوان لا يزال بعيد المنال في ما يتعلق بتعزيز أهمية اليوان في المدفوعات العالمية".
وأضاف أنه "حتى لو تمّت تسوية بعض معاملات النفط باليوان لتجنب العقوبات المالية أو غيرها، فمن غير المرجح أن يُحدث ذلك تغييراً جذرياً في المشهد النقدي العالمي". ويرى كبير الاقتصاديين في بنك الإمارات دبي الوطني إدوارد بيل أن "عدم وجود عملة قابلة للتحويل بالكامل سيشكل عائقاً أمام استخدام العائدات للاستثمار في الأصول المحلية المقومة باليوان، وهذا خطر غير موجود مع الدولار".
صراعات ترامب تفقد الدولار جاذبيته
ومع ذلك، يُنظر إلى الصين بشكل متزايد على أساس أنها في وضع جيد للمستقبل، إذ إن تعامل ترامب مع الحرب في المنطقة يثير تساؤلات حول التزامات الولايات المتحدة تجاه حلفائها القدامى، بينما يتزايد في الصين إدراك أن البيئة العالمية تتحسن لتوسيع نطاق استخدام اليوان دولياً. ووصف محافظ بنك الشعب الصيني السابق تشو شياو تشوان، خلال هذا الشهر، الوضع بأنه "فرصة ذهبية" لتعزيز تدويل اليوان، في ظل تراجع مصداقية الدولار نتيجة للسياسات الأميركية، ودعا صناع القرار إلى اغتنام هذه الفرصة لتسهيل تدفق اليوان عبر الحدود.
وتؤكد الخبرة التاريخية أن اكتساب أي عملة للهيمنة على النظام المالي العالمي يستغرق وقتاً طويلاً، نظراً لصعوبة تغيير النظام القائم بسبب تأثيرات شبكة المعاملات. فرغم أن اقتصاد بريطانيا كان أصغر من اقتصاد الولايات المتحدة بحلول عام 1900، إلا أن الجنيه الإسترليني حافظ على هيمنته العالمية حتى أربعينيات القرن العشرين.
ويتركز اهتمام الصين حاليا على السعي لتسوية مدفوعات وارداتها من النفط الخام باليوان، وفقاً لمصدر مطلع على توجهات الحكومة لبلومبيرغ. وأوضح المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن الصين لا ترغب في تحويل تجارة النفط بين الدول الأخرى إلى عملتها، أو استبدال الدولار في مجالات تتجاوز تجارتها الثنائية. حاليا تقود الاقتصادات الخاضعة للعقوبات التوسع المتزايد لليوان في سوق السلع. وصرح مسؤول روسي، العام الماضي، بأن معظم التجارة الثنائية بين روسيا والصين تُسوى باليوان أو الروبل. ويشمل ذلك واردات صينية من الوقود الأحفوري بقيمة 563 مليار يوان (81.8 مليار دولار).
ويعد تركز جزء كبير من التقدم على تسوية الصفقات الفردية باليوان خطوة لا ترقى إلى مستوى التحول السعري الذي يتطلبه نظام "البترويوان" الحقيقي، والذي يتضمن ابتعاد مؤشرات أسعار النفط عن الدولار. وبدأ تداول العقود الآجلة للنفط المقومة باليوان في بورصة شنغهاي الدولية للطاقة عام 2018، وبلغ حجم التداول اليومي نحو 170 ألف عقد، مقابل نحو مليون عقد تداول لخام غرب تكساس الوسيط. كما قامت الصين في عام 2023 بتسوية واردات الغاز الطبيعي المسال باليوان لأول مرة في بورصة شنغهاي، وشملت هذه الواردات إمدادات من الإمارات. وشهد ذلك العام أيضاً أول معاملة عابرة للحدود للنفط الخام باليوان الرقمي.
الصين تطور نظام مدفوعات بديلاً للأميركي
تتمثل استراتيجية الصين المُثبتة في الدفع التدريجي نحو استخدام اليوان في التجارة، مع توفير البنية التحتية اللازمة للدفع، حيث طورت نظامها الخاص للمدفوعات المصرفية عبر الحدود، أو"سيبس CIPS"، الذي يُجري عمليات الدفع باليوان مقابل نظام المدفوعات الأميركي "شيبس CHIPS". وفي مارس/آذار، مع اندلاع الحرب الإيرانية، عالج نظام "سيبس" معاملات يومية بنحو 921 مليار يوان (135 مليار دولار) في المتوسط، بزيادة تقارب 50% عن الشهر السابق.
ووفقا لمقال المحلل المالي أندي موخرجي في بلومبيرغ، الخميس الماضي، فإن هذا المبلغ لا يمثل سوى جزء ضئيل من 2.2 تريليون دولار التي تمر عبر نيويورك، إلا أن نمو هذه الشبكة البديلة جدير بالملاحظة، حيث تكشف البيانات عن تحول ملحوظ، مدفوع بتغيرات هيكلية وجيوسياسية. ففي عام 2021، كان متوسط التداول اليومي عبر نظام CIPS نحو 350 مليار يوان، بينما تجاوز 600 مليار يوان في أوائل 2024. ووفقا للكاتب ذاته، فقد بدأت قوة نظام المدفوعات الصيني مع فرض العقوبات على روسيا، وهو ما دفع عدداً من البنوك إلى تحويل عمليات التسوية إلى اليوان.
والعام الماضي، أصبح بنك أبوظبي الأول أول مشارك مباشر من المنطقة في نظام (CIPS). وقال تشارلز تشانغ، المدير في ستاندرد آند بورز: "قبل اندلاع حرب إيران، كانت بعض دول الخليج تشعر بالحاجة إلى توسيع نطاق دبلوماسيتها الاقتصادية من خلال استكشاف سبل إجراء التجارة بعملات غير الدولار. وإذا ما عزز الصراع الإيراني هذه المشاعر، فقد تصبح المزيد من دول الخليج مستعدة لقبول المزيد من عملة البترويوان مع مرور الوقت".
من جانبها، قالت الرئيسة التنفيذية لشركة يوروكلير فاليري أوربان إن "مساعي الصين لتحويل اليوان إلى عملة احتياطية دولية تتيح فرصة جديدة، وأن الخطوة التالية يجب أن تكون مواءمة المتطلبات التنظيمية مع المعايير الدولية". وأضافت متحدثة لتلفزيون بلومبيرغ، أمس الثلاثاء، أن "ازدياد تقلبات السوق، الذي تفاقم بسبب الحرب في إيران، يدفع المستثمرين إلى تنويع محافظهم الاستثمارية بعيدا عن الدولار، ما يخلق طلباً على الأصول الآسيوية والأوروبية"، وأشارت إلى أن يوروكلير، وهي غرفة مقاصة مقرها بلجيكا، "تلعب دورا في ترجمة احتياجات كلا الجانبين خلال هذه العملية"، ولفتت إلى أن "تحويل اليوان إلى عملة احتياطية دولية سيستغرق وقتاً". وأضافت أن "الصينيين يميلون إلى أن يكونوا طموحين للغاية، لكنهم حذرون أيضاً، فالصين تريد التأكد من اتخاذ القرار الصائب في الوقت المناسب".
(الدولار = 6.9 يوان)

Related News
قلق إسرائيلي متزايد من «عُزلة دولية»
aawsat
2 minutes ago
رابطة الدوري السعودي: «الخليج والهلال» في 5 مايو
aawsat
8 minutes ago
10 نقاط مضيئة بالجولة الـ32 بالدوري الإنجليزي
aawsat
9 minutes ago