Arab
تشكل خسارة فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية، أمس الأحد، منعطفاً سياسياً يتجاوز حدود بودابست، ليصل صداه إلى النقاشات داخل اليمين القومي المحافظ في أوروبا والولايات المتحدة. فبعد أكثر من 16 عاماً في الحكم، لم تكن الهزيمة مجرد تغيير في السلطة، بل اختباراً لنموذج "الديمقراطية غير الليبرالية" الذي روّج له أوربان، والذي ألهم أجزاء واسعة من اليمين الشعبوي الغربي بوصفه نموذجاً لإعادة هندسة الدولة وتحصين السلطة من الداخل.
حقق بيتر ماغيار وحزبه "تيسا" فوزاً كاسحاً بنسبة تقارب 56% من الأصوات، ما منحه أغلبية تتجاوز الثلثين في البرلمان بنحو 138 مقعداً من أصل 199. وبذلك لم يُقصَ حزب فيدس من المشهد، لكنه تراجع إلى 38% من الأصوات و55 مقعداً، ليصبح أكبر أحزاب المعارضة بعد أن كان القوة الحاكمة المهيمنة. وجاء حزب "وطننا" اليميني المتطرف ثالثاً بنحو 5.8%، فيما حصل كل من "الائتلاف الديمقراطي" من يسار الوسط و"حزب الكلب ذي الذيلين المجري" الساخر على نسب هامشية تقارب 1.2% و0.8%، دون تجاوز عتبة الحسم بـ5%.
تحصين السلطة ليس خلوداً سياسياً
يحمل هذا التحول دلالات تتجاوز المجر. فالنموذج الذي بناه أوربان اعتمد على إعادة صياغة المؤسسات، وضبط الإعلام، وإضعاف المعارضة داخل إطار انتخابي يبدو تنافسياً لكنه غير متكافئ. غير أن فوز المعارضة أعاد فتح السؤال حول حدود "تحصين السلطة" داخل الأنظمة الانتخابية. وتشير القراءة السياسية للنتائج إلى أن هذا النموذج المُحصن، رغم صلابته الظاهرة، يظل قابلاً للاهتزاز حين تتوافر ثلاثة شروط: ارتفاع المشاركة الشعبية التي بلغت نحو 80% وهي الأعلى منذ 2002، توحد قوى المعارضة خلف مرشح واحد بهدف إسقاط التفرد في الحكم، وتغير المزاج الاجتماعي لصالح الأولويات المعيشية بدل الخطاب الأيديولوجي.
الأكثر دلالة أن التغيير لم يأتِ من يسار تقليدي، بل من داخل المعسكر اليميني نفسه. فصعود ماغيار، وهو شخصية خرجت من بنية النظام الحاكم، يجعل التحول المجري انتقالاً داخل اليمين بين نموذج قومي صدامي، وآخر محافظ أكثر براغماتية وانفتاحاً على الاتحاد الأوروبي. وهذا ما يمنح الحدث طابعاً مربكاً لليمين الشعبوي الغربي، إذ يثبت أن التغيير لا يتطلب بالضرورة انقلاباً أيديولوجياً، بل يمكن أن يحدث عبر تفكك داخلي في قلب المنظومة ذاتها.
يمثل سقوط أوربان أيضاً إشارة تحذير للحركات اليمينية المتشددة في الغرب، خصوصاً تلك التي رأت في التجربة المجرية دليلاً على إمكانية "تثبيت السلطة" عبر السيطرة المؤسسية والإعلامية. فالهزيمة تُظهر أن هذه الاستراتيجية ليست محصنة، وأنها قابلة للكسر في حال توافرت شروط اجتماعية وانتخابية معاكسة. في المقابل، تنظر أوروبا الليبرالية إلى النتيجة باعتبارها فرصة لإعادة دمج المجر في المسار الأوروبي بعد سنوات من التوتر. فقد استخدمت حكومة أوربان حق النقض مراراً وأبطأت قرارات الاتحاد، خصوصاً في ملفات أوكرانيا والهجرة. ومع وصول ماغيار، يُتوقع حصول تحول تدريجي نحو تعاون أكبر مع بروكسل، بما يشمل إعادة تفعيل الدعم المالي المجمد، وتسوية ملفات سيادة القانون. لكن هذا التفاؤل يبقى مشروطاً، إذ إن الحكومة الجديدة لا تزال محافظة، وإن أقل تصادمية من سابقتها، ما يجعل التحول أقرب إلى إعادة تموضع داخل اليمين الأوروبي، أكثر منه قطيعة أيديولوجية كاملة.
رسالة رمزية لموسكو... اختبار الديمقراطية لا نهايتها
على الصعيد الجيوسياسي، إلى جانب ما تمثله خسارة معسكر أوربان للإدارة الأميركية المفضلة لليمين القومي الأوروبي، تمثل خسارة أوربان تراجعاً لنفوذ روسيا داخل الاتحاد الأوروبي، إذ كان من أبرز القادة المقربين من الكرملين، وساهم في إبطاء أو عرقلة قرارات تتعلق بالعقوبات على موسكو ودعم أوكرانيا. ولا يخفى اتهام الطبقة السياسية الأوروبية للكرملين بتفضيل القوى الشعبوية والقومية المحافظة، وهو اتهام تكرر منذ ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، وأزمة اللجوء في 2015. وبالتالي، فإن التغيير في بودابست يعني إعادة تموضع محتملة للمجر ضمن الصف الأوروبي العام، ما يضعف أحد أهم الأصوات المتحفظة داخل الاتحاد تجاه روسيا.
الأهم في هذه الانتخابات، وفق الأوروبيين، أنها تقدم إشارة مضادة لفكرة "التحصين غير الليبرالي". فالنقاش الذي ساد لسنوات حول قدرة أنظمة مثل نموذج أوربان على البقاء دون مساءلة، تلقى ضربة رمزية تُظهر أن هذه الأنظمة ليست منيعة أمام التحولات السياسية. ولعلها رسالة تصل روما حيث تحكم جيورجيا ميلوني، وإلى باريس وبرلين بشأن احتمالية صعود اليمين المتشدد أو مشاركته في السلطة.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن اعتبار النتيجة انتصاراً نهائياً لليبرالية الأوروبية، بل إعادة تموضع داخل اليمين نفسه، حيث تبقى الهوية السياسية للمجر محافظة، وإن كانت أقل تصادمية مع أوروبا. في المحصلة، لا تُقرأ هزيمة أوربان بوصفها حدثا محليا، بل إشارة سياسية تمتد إلى ما وراء حدود المجر. فهي تقول لحركات اليمين المتشدد في الغرب إن السيطرة الطويلة على السلطة لا تعني بالضرورة الخلود السياسي، وإن التحولات الداخلية قادرة على قلب المعادلات. وبينما تحتفي أوروبا الليبرالية بالنتيجة، يجد اليمين الشعبوي نفسه أمام لحظة مراجعة صعبة: هل كان نموذج أوربان استثناءً عابراً، أم مشروعاً قابلاً للتكرار؟

Related News
الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب
aawsat
2 minutes ago
«دورة ميونيخ»: الفرنسي رينديركنيش يتقدم بثبات
aawsat
2 minutes ago