غموض وجرائم معلّقة في رواية جزائرية
Arab
2 hours ago
share
من يقرأ رواية "أغالب مجرى النهر" (هانشيت أنطوان، بيروت، 2025) للجزائري سعيد خطيبي، الفائزة أخيراً بالجائزة العربية للرواية العالمية 2026، يعيش في صلب أحداث وتفاصيل مرتبطة بعالم الجريمة والبوليس والتحقيق والخيانة والنيات المضمرة، إذ تتوالى الأحداث وتتشابك في طول مجرى الرواية (ونهرها) البالغ 288 صفحة، ويتفاعل القارئ مع شخصيات تتقاطع مصائرها في حلبة بطلة الرواية (وعائلتها) الطبيبة عقيلة تومي، ومن ذلك تفاصيل من حياة أخيها الممرّض ميلود الذي نكتشف مع تقدّم القراءة أنّه أخ غير شرعي، وزوجها مخلوف الذي يموت ميتةً مركّبةً في حادث سيارة، ولكنّ التشريح يكشف أنّه قد سُمّم، فتتهم زوجته بقتله، وكان قتله بالنسبة إليها رغبة. عالم من الجرائم تنشغل به الرواية، فنقرأ في إحدى الصفحات على لسان "الراوي/ الطبيبة" فقرة تختزل عالم الرواية المبني على الغموض والجريمة: "هذه المرّة السادسة التي يقتل فيها رجل زوجته منذ مطلع العام. من يعجز عن الانتصاب يقتل زوجته، من يرتبط بعشيقة يقتل زوجته، من يطلّق يقتل زوجته، من يفقد عمله يقتل زوجته، من يتشاجر مع جاره يقتل زوجته، من يخسر في القمار يقتل زوجته، وأنا أودّ أن أقتل زوجي". تبدأ الطبيبة من السجن بسرد حياتها المتقلّبة من حال إلى حال، وحنينها إلى ابنتها مينة، ثم حديثها الطويل مع المحقّق الشاب، لتنتقل إلى سرد فصول متقاطعة من حياتها وذكرياتها في سياق علاقاتها السابقة حين كانت تبحث عن زوج المستقبل، ولكنّها تصدم بأنّ الرجال لا يقصدون سوى الغرام العابر، الأمر الذي اضطرها إلى القبول بزواج على الطريقة التقليدية. من ذلك قصّتها مع "ثامر" الذي تتذكّر طعم القهوة من قبلتها الأولى معه قبل أن يبتلعه السجن بسبب اقترافه السرقة، ثم يُفرج عنه "عندما صار الشاذلي بن جديد رئيساً للبلد"، وظلّ الوصال الخجول قائماً بينهما. ثم قصصها مع المرضى طبيبةً، فتكشف لنا هذه الذكريات تفاصيل الهامش الجزائري وخلفيات حياة مرضى من مختلف الفئات الاجتماعية يقصدون الطبيبة المشهورة، حتى إنّ المحقّق نفسه سبق أن جاء بأمّه من أجل العلاج عند هذه الطبيبة. لم تكن علاقة الطبيبة بزوجها علاقة زوجين طبيعيين بقدر ما كانت قائمةً على التنافر الخفي، وهو ما جعل الأمّ (المعروفة بتوزيع حبوب السمّ أو هذا ما ستشير إليه الرواية من دون تصريح) تتدخّل لإنهاء عذابات ابنتها. وتتحرّك أحداث الرواية في مسرح غريب يتعلّق باجتثاث أعين الموتى لبيعها للمرضى، وكان زوجها مخلوف، الطبيب المسؤول عن مشرحة موتى مستشفى العاصمة، من يوفّر ظروف هذه العمليات الملتبسة، في مهمّة ظاهرها مساعدة الأحياء (الأبقى من الموتى)، ولكنّ باطنها تجارة أعضاء، إذ يقبض ثلاثة أرباع ثمنها من القاطنين في أحياء الميسورين مثل حي الغارديان، حيث يعيش "من تيسَّر ماله وعلا نسبه"، كما جاء في الرواية. لا يقدّم السارد تفاصيل شخصيته الرئيسة إلا عبر أحداث متوالية، محيطها فضاء الجزائر عشية فترة العشرية السوداء في التسعينيّات، كما أنّ أرضيتها الثقافية تتوزّع على محيط المغرب العربي بكامله من خلال مفردات من قبيل "البغرير" و"الكسكس"، أو أعلام معروفة من أمثال فرقة ناس الغيوان عبر دندناتهم التي تلامس حافَات القاع الاجتماعي والألم العربي: "من كثر الظلم والتقتيل... ما بقى أمان...". تتداخل في الرواية أيضاً تفاصيل زمنَين. زمن التسعينيّات وزمن المقاومة ضدّ الاستعمار الفرنسي، مع كشف تفاصيل كثيرة، وإن جاء بعضها في السياق الطبّي، مثل المطبّبة "قمرة" (أمّ الساردة) التي تكفّلت بتزويد فدائيات بأقراص سامّة في سنوات الحرب، يبتلعنها إن جرى اعتقالهن وفشلن في مقاومة التعذيب". وهناك أيضاً سيرة الأب المتّهم بخيانة أفراد المقاومة. إذن، استثمر السارد وضع الطبيبة ومحيطها العائلي ليفتح نوافذ على مختلف أنماط المجتمع، لتسليط الضوء (في ما يشبه صفحات الحوادث) على جرائم متعدّدة في الحياة الجزائرية العامة. "أغالب مجرى النهر" هي الرواية الجزائرية الثانية التي فازت بالجائزة العربية للرواية العالمية. وللمصادفة، جاءت في سياق الحرب الجارية، كما جاءت "الديوان الإسبرطي" لعبد الوهاب عيساوي التي فازت في 2020 في غضون جائحة كورونا، إذ لم يُقَم "حفل حي" لإعلان الفائز، تماماً كما حدث في هذه الدورة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows