Arab
تواجه صفقة حكومية مصرية لبيع محطة توليد كهرباء من طاقة الرياح، مملوكة لوزارة الكهرباء، بقيمة 420 مليون دولار إلى إحدى شركات الصندوق السيادي بدولة الإمارات، خطر الفشل بعد عام من المفاوضات التي بلغت مراحلها النهائية في فبراير/شباط الماضي. وقال مصدر رفيع في هيئة الطاقة الجديدة والمتجدّدة، التابعة لوزارة الكهرباء المالكة للمشروع، لـ"العربي الجديد"، إن صفقة بيع أكبر محطة رياح في مصر، بمنطقة جبل الزيت على ساحل البحر الأحمر، تعرضت للتعثر بعد اعتراضات من مؤسسات تمويل أوروبية على النهج الذي اتخذه مجلس الوزراء المصري في إجراءات البيع، دون الرجوع إلى الجهات الدولية الممولة والمنفذة للمحطة، في ضربة لجهود الحكومة لتسريع برنامج الطروحات وجمع سيولة دولارية عاجلة، وسط أزمة متفاقمة في الطاقة والتمويل.
وأضاف المصدر المطلع على المفاوضات أن الصفقة، التي تستهدف بيع المحطة بقدرة 530 ميغاوات إلى مستثمر إماراتي، توقفت فعلياً منذ نهاية فبراير الماضي، بعد اعتراض جهات تمويل رئيسية، على رأسها تحالف صناعي ومالي تقوده شركة سيمنز الألمانية، إلى جانب بنك التنمية الألماني KfW، الذي شارك في تمويل المشروع عبر قروض ميسرة مدعومة من الحكومة الألمانية. وأشار المصدر إلى أن اعتراضات الشركاء تركزت على "تغيير طبيعة الأصل"، إذ جرى تمويل المشروع كمنشأة حكومية تنموية منخفضة العائد، بفائدة تتراوح بين 0.75% و1% وبحد أقصى 3%، وليس كاستثمار تجاري قابل للبيع للقطاع الخاص، مبيناً أن المشروع بدأ إنشاؤه بين عامَي 2015 و2019 بتمويل من تحالف مؤسسات دولية، شمل بنك الاستثمار الأوروبي، وهيئة التعاون اليابانية (جايكا)، وتحالف KfW، عبر قروض طويلة الأجل بأسعار فائدة متدنية، في إطار دعم الحكومة المصرية لتطوير إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة منخفضة التكلفة.
وأضاف مصدر آخر، يعمل استشارياً في مشروعات الطاقة المتجدّدة ومطلع على تطورات صفقة التمويل، أن اتفاقيات التمويل تضمنت بنوداً غير معلنة تمنح الممولين حق الاعتراض على نقل الملكية أو تغيير هيكل المشروع، خاصة في حال تحويله إلى أصل ربحي لصالح مستثمر خاص، وهو ما جعل الحكومة غير قادرة على إتمام الصفقة مع الجانب الإماراتي. وقال الاستشاري الفني لـ"العربي الجديد" إنّ "المؤسسات الألمانية، بقيادة سيمنز، ترى أن القروض الميسرة لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لجني أرباح لمستثمرين خارج النطاق الحكومي، بعد أن تحملت مخاطر التمويل بشروط ميسرة"، موضحاً أن هذا الاعتراض جمد الصفقة فعلياً وأعادها إلى نقطة التفاوض، ليضع الحكومة أمام خيارين: إما استمرار ملكية الدولة للمشروع، أو تعديل شروط التمويل وتحويله إلى قرض تجاري، بما يعني تقليص فترة السداد إلى ما بين خمس وسبع سنوات بدلاً من 30 عاماً، ورفع الفائدة إلى مستويات السوق التي قد تصل إلى 8% لليورو.
ووجه هذا الاعتراض ضربة قوية للحكومة التي اختارت بيع محطة جبل الزيت تحديداً لكونها من الأصول النادرة القادرة على جذب المستثمرين الأجانب، إذ لا تعتمد على الوقود وتتميز بتكلفة تشغيل منخفضة وتحقق تدفقات نقدية مستقرة تصل إلى 30 عاماً. وتسعى الحكومة إلى بيعها ضمن برنامج طروحات يستهدف جمع أكثر من 10 مليارات دولار خلال السنوات المقبلة، في محاولة لتقليص عجز الموازنة ودعم احتياطيات النقد الأجنبي، في ظل دين خارجي تجاوز 165 مليار دولار، وخدمة دين سنوية تقترب من 30 مليار دولار. وتقدر وزارة الكهرباء تكلفة المشروع الأصلية بنحو 1.6 إلى 1.8 مليار دولار، فيما دارت قيمة الصفقة حول 420 مليون دولار، وفق مصادر في قطاع الطاقة. ورغم عدم إعلان الحكومة رسمياً تفاصيل التقييم، يرى خبير الطاقة ورئيس شركة "أونيرا" للطاقة المتجددة، وائل النشار، أن هذه الفجوة السعرية تعكس "بيعاً تحت ضغط"، خاصة مع تراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية الرئيسية.
وأوضح النشار لـ"العربي الجديد" أن جهة الإنشاء ضمنت لمصر قرضاً بقيمة 300 مليون دولار من "جايكا" يسدد على 30 عاماً بفائدة 0.75% وفترة سماح سبع سنوات، وهو ما يعادل تقريباً قيمة الصفقة النقدية، بينما ستظل الدولة ملتزمة بسداد القروض لسنوات طويلة، في وقت تعاقدت فيه على شراء الكهرباء بسعر التكلفة، مع سداد 75% من قيمتها بالدولار، ما يعني استمرار الضغط على العملة الأجنبية. ويتقاطع ذلك مع ما ذكره مصدر بهيئة الطاقة المتجدّدة، من أن جزءاً من ديون المشروع لا يزال قائماً قانونياً ومالياً، ما يعني استمرار التزامات الدولة حتى بعد البيع، وهو ما قد يحول أصلاً منخفض التكلفة إلى عبء دولاري طويل الأجل، ويزيد الضغط على قطاع الكهرباء الذي تبلغ التزاماته نحو 34 مليار دولار.
وأضاف المصدر أن أزمة الوقود الحالية، الناتجة عن صعوبات الاستيراد بسبب التوترات الإقليمية، دفعت دوائر حكومية إلى إعادة تقييم الصفقة، إذ برز اتجاهان: الأول يدعو لإعادة التقييم المالي وفق تطورات السوق، والثاني يطالب بإيقاف البيع مؤقتاً في ظل الحاجة لتعزيز إنتاج الكهرباء من مصادر بديلة. وبحسب بيانات مجلس الوزراء، ارتفعت أسعار الغاز المُسال بنسبة تصل إلى 130–140% منذ اندلاع الحرب في الخليج، ما زاد الضغوط على الموازنة العامة، ودفع خبراء للتأكيد على أن محطة جبل الزيت تمثل أداة استراتيجية لتقليل الاعتماد على الوقود المستورد. وتزامن الجدل مع تحذيرات من المركز المصري للدراسات الاقتصادية بشأن اختلالات الشبكة القومية، إذ تبلغ القدرة الإنتاجية نحو 60 ألف ميغاوات مقابل استهلاك لا يتجاوز 40 ألفاً، مع فاقد كهربائي يصل إلى 20%، وهو من أعلى المعدلات عالمياً، نتيجة ضعف التخطيط والاعتماد المفرط على الغاز الذي يمثل 84% من إنتاج الكهرباء.
ويأتي اعتراض الشركاء الدوليين في وقت تلتزم فيه مصر ببرنامج إصلاح اقتصادي مدعوم من صندوق النقد الدولي، يشمل توسيع دور القطاع الخاص وبيع أصول حكومية، ما يكشف حدود هذا التوجه عند التعامل مع أصول ممولة بشروط تنموية دولية. وترى مصادر أن الصفقة قد تعود بصيغة معدلة، لكنها ستبقى مثالاً على أن "ليس كل أصل حكومي قابل للبيع"، خاصة في ظل تعقيدات التمويل وأهمية الأصل وتوقيت الطرح، ما يجعلها اختباراً صعباً لسياسة التخارج الحكومي، وربما مؤشراً على تحديات أوسع أمام برنامج طرح نحو 20 شركة خلال عام 2026.

Related News
وجها الحرب اللبنانية في "جوع عتيق" للينة كريدية
alaraby ALjadeed
39 minutes ago
فانس يعلن فشل المحادثات مع إيران في التوصل إلى اتفاق
aawsat
54 minutes ago