بين إيران والخليج العربي
Arab
2 hours ago
share
وجدت دول الخليج العربية نفسها في غضون الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران بين شقّيْ الرحى، فبعد نحو مئة دقيقة فقط من بداية القصف على إيران، صبّت الأخيرة جام غضبها على دول الخليج، ووجهّت بحماقة منقطعة النظير رشقات صواريخها وأسراب مُسيّراتها إلى أهداف في عمق دول الخليج جميعاً، حتى سلطنة عُمان ذات الوضع الاستثنائي بين دول الخليج التي حرصت دوماً على اتخاذ موقف حيادي، ونأت بنفسها عن الدخول في أي توتّر مع إيران، ولعبت دور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران، واستضافت على أراضيها عدة جولات تفاوض بين الطرفَين، لم تسلم من القصف الإيراني، فقد استقبلت عُمان هجمات إيرانيّة بطائرات مُسيّرة استهدفت ميناءَي الدقم وصلالة، بالإضافة إلى ناقلات نفط قبالة السواحل العُمانيّة. وجاء القصف الإيراني لدول الخليج تحت دعاوى استهداف القواعد الأميركيّة في المنطقة، بيد أن عُمان لا تستضيف قواعد أميركيّة على أراضيها، وهي خطوة عدوانيّة غير مُبرّرة تعني انتهاك سيادة شديد الخشونة، كان من شأنها استعداء دول الخليج واصطفافها مع واشنطن. دأب الخطاب الإيراني، عقوداً، على التأكيد دوماً أن يكون أمن منطقة الخليج بيد دولها، لا بيد أيّ قوى خارجيّة، مع التشديد على رفض أيّ وجودٍ عسكري أجنبي فيه، بيد أن لسان الحال سار في اتجاهٍ مُخالفٍ للسان المقال، بل في أحيان كثيرة اتسعت الفجوة بينهما إلى درجة غير معقولة، فقد اتسمت السياسة الإيرانيّة في الخليج بالسعي إلى الهيمنة والنزعة التوسعيّة الساعية إلى فرض إرادتها على محيطها، والقيام بخطوات عسكريّة واستفزازيّة بالغة الخشونة، بالاعتماد على تفوّقها العسكري من جهة، وبالاستقواء بتفوّقها الديموغرافي الكاسح على دول الخليج مُجتمعة من جهة أخرى. بمجرّد أن انسحبت القوّات البريطانيّة من الخليج في 1971، سارعت إيران إلى احتلال الجزر الإماراتيّة، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، وكادت أن تحتلّ البحرين، وبعد قيام الثورة الإسلاميّة في إيران في 1979، أعلنت إيران صراحة عن نيّتها تصدير الثورة إلى محيطها الإقليمي، ودعت إلى إطاحة النُظم الحاكمة في دول الجوار، كما استثمر نظام الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة موسم الحجّ، لترتيب مظاهرات ذات طابع سياسي خلال أداء الحجيج المناسك في البقاع المقدّسة، في خطوة بالغة الخطورة عملت على توظيف الشعائر الدينيّة لخدمة الأغراض السياسيّة، ومزجت بين ما هو ديني، وما هو سياسي، وقدّمت مثالاً مُلهِمَاً مؤسفاً لجماعات الإسلام الحركي في المنطقة التي نظرت دوماً بعين الإكبار إلى النموذج الإيراني. يُعتبر الوجود العسكري الأميركي في الخليج جزءاً أساسيّاً من الصراع الإيراني الأميركي قامت نظريّة الأمن القومي الإيراني على عدّة ثوابت، كانت في عهد إيران البهلويّة، واستمرّت، بل وتأكّدت في عهد الجمهوريّة الإسلاميّة، من ضمنها نظر إيران إلى الخليج منطقة نفوذ إيرانيّة أثيرة، ومجالاً حيويّاً خالصاً لإيران، لا ينازعها فيه أي طرف إقليمي أو دولي، فقد حرصت السياسة الإيرانيّة على الرفض التامّ أي وجودٍ عسكري في الخليج، واعتبرته في كلّ الأحوال أجنبيّاً ومصدر تهديد مباشراً للمصالح الإيرانيّة في المنطقة، حتى ولو كان هذا الوجود العسكري عربيّاً. ويُعتبر الوجود العسكري الأميركي في الخليج جزءاً أساسيّاً من الصراع الإيراني الأميركي، إذ تعتبر إيران منذ حرب الخليج عام 1991 القواعد الأميركيّة في الخليج بمثابة تهديد مباشر مُوجَّه إليها، وتمثّل اعتداءً صريحاً على حقّها في الاستئثار بالخليج، إلى جانب اعتماد إيران على تفوّقها في القدرات العسكريّة في إدارتها علاقاتها الإقليميّة، ما يدفع دول الخليج إلى البحث عن طرف آخر يعمل على موازنة القوّة العسكريّة الإيرانيّة، ويدرأ عنها خطرها، ما فتح الباب على مصراعيه عقوداً أمام القوى الدوليّة للتدخّل العسكري في الخليج. الأدهى هو حرص إيران الدؤوب والمُغالى فيه إلى أقصى مدى، على فارسيّة اسم الخليج، فأدبيّات سياستها ترفض باستمرار تسمية الخليج بالعربي، وتصرّ أيّما إصرار على تسميته "الخليج الفارسي"، وتبدي دوماً احتجاجاً صريحاً جهيراً، في كلّ المحافل الإقليميّة والدوليّة، على تسمية الخليج بالعربي، وتعتبر هذا من قبيل التعدّي على حقّها التاريخي في وصفها الخليج بالفارسي، وامتدّ هذا السلوك الإيراني إلى كل المنظمّات الدوليّة، حتى في المحافل والفاعليّات الرياضيّة. وقد جرى، إبّان بطولة كأس الخليج "خليجي 25" في البصرة في مطلع 2023، أن الخارجيّة الإيرانيّة استدعت السفير العراقي في طهران، وسلّمته مذكرة احتجاج على تسمية الخليج العربي للبطولة، زعمت فيها أن هذا المصطلح "وهميّ"، يثير استخدامه حساسيّة لدى الشعب الإيراني. وفي السياق، قررّت إيران مطلع عام 2010 حظر مجالها الجوّي أمام الشركات التي لا تعتمد مصطلح "الخليج الفارسي" في الخرائط على شاشات طائراتها، كما لوّحت إيران في 2012 بإقامة دعوى قضائيّة ضدّ محرّك البحث "غوغل" لعدم استخدامه مصطلح الخليج الفارسي. نسفت الاعتداءات الإيرانيّة المُتكرّرة على دول الخليج كل جسور الثقة بين إيران ومحيطها العربي نسفت الاعتداءات الإيرانيّة المُتكرّرة على دول الخليج كلّ جسور الثقة بين إيران ومحيطها العربي، فقد خرجت تلك الاعتداءات عن استهداف قواعد أميركيّة كما يزعم الخطاب الإعلامي الإيراني إلى ضرب أهداف مدنيّة ومنشآت نفطيّة، في خطوة عدوانيّة غلبت عليها نوازع الانتقام، لتفتح الباب واسعاً أمام الأصوات المُتشدّدة المناوئة لإيران، وتثير كلّ المخاوف الكامنة من سلوك إيران في المستقبل القريب. مؤكّد أن حقائق الجغرافيا لا يمكن تغييرها تحت أيّ ظرف، ومن غير المُتوقّع للأسف أن يطرأ تغيير كبير على المعادلة الحاكمة لعلاقة إيران بدول الخليج، طالما ظلّ الاستفراد الإيراني بالخليج ودوله قائماً، بمعزلٍ عن دخول دول المشرق العربي طرفاً في تلك المعادلة، ويظلّ حدوث التغيير مرهوناً بقيام نظام للأمن الإقليمي، بمشاركة كل أطرافه من الفاعلين الإقليمييّن، ولن يتأتّى هذا إلا بأداء مصر والسعوديّة دور القاطرة للعالم العربي، لصياغة اتفاق أو تفاهم مع كلٍّ من تركيا وإيران، بمشاركة باكستان التي تلعب دوراً ملحوظاً في الأيّام الأخيرة، من أجل الحؤول دون محاولات إخضاع المنطقة للهيمنة الإسرائيليّة، وإيجاد صيغة للتعايش، وآليّات للتعامل مع الأزمات بما يضمن نزع فتيلها وعدم تفاقمها، وتسوية الخلافات بالحوار والطرق السياسيّة السلميّة، بعيداً عن الخطوات الخشنة القائمة على فرض الأمر الواقع، والتدخّل في الشؤون الداخليّة للدول، أو إنشاء أذرعٍ عسكريّة داخلها، ولم تتوفّر بعدُ الظروف المواتية، ولو في حدّها الأدنى، لقيام هذا التفاهم.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows