Arab
تستمر حالة الاختناق التي يعيشها الاقتصاد الغزّي، والتي تتجلى في تراجع حاد في تدفق السلع مقابل طلب متزايد لا يجد ما يغطيه، في ظل قيود مشددة على المعابر واضطراب مستمر في حركة الواردات. هذا الواقع لا يعكس مجرد أزمة مؤقتة، بل يكشف عن خلل عميق في بنية السوق، حيث تتآكل القدرة الشرائية وتتراجع وفرة السلع الأساسية بالتوازي مع تصاعد الاعتماد القسري على المساعدات، ما يضع الاقتصاد المحلي أمام معادلة غير قابلة للاستدامة. ويأتي ذلك وسط جدل متزايد حول دقة الأرقام المتداولة دولياً بشأن حجم المساعدات والبضائع الداخلة إلى غزة، في ظل وجود فارق واضح بين تصريحات "مجلس السلام" التي تتناقض مع الواقع والبيانات الفعلية الصادرة عن الجهات المحلية.
ولا يقتصر أثر هذا التباين على الجانب الإعلامي، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر على تقييم حجم الأزمة وتحديد أولويات التدخل، وحتى على توجهات الأسواق المحلية التي تعتمد بشكل شبه كامل على تدفق السلع عبر المعابر، في ظل اقتصاد هش يفتقر إلى أي قدرة حقيقية على التعافي الذاتي. وكان الممثل السامي لغزة في "مجلس السلام"، نيكولاي ملادينوف، قد قال في تغريدة على موقع "إكس": "دخلت يوم الخميس 602 شاحنة إلى غزة محملة بإمدادات أساسية للعائلات التي انتظرت طويلاً، هذا هو الشكل الذي يجب أن يكون عليه الوصول الموسع للمساعدات، ويجب أن يصبح هذا هو المعيار اليومي وليس الاستثناء". إلا أن هذا التصريح يصطدم ببيانات ميدانية تعكس واقعاً مغايراً، حيث دخل إلى قطاع غزة في ذلك اليوم 207 شاحنات فقط.
وفي قراءة بالأرقام، سجلت حركة الشاحنات خلال الأيام التسعة الأولى من شهر إبريل/نيسان الجاري دخول 1020 شاحنة فقط، توزعت بين 416 شاحنة تجارية و604 شاحنات مساعدات، وهو إجمالي ما يحتاج إليه قطاع غزة في يوم واحد فقط. وأظهرت البيانات الصادرة عن وزارة الاقتصاد الوطني أنّ يوم التاسع من إبريل/نيسان كان الأعلى من حيث الحركة، بتسجيل 207 شاحنات، منها 129 شاحنة تجارية و78 شاحنة مساعدات. كما شهد يوما السادس والسابع من إبريل/نيسان دخول 171 شاحنة في كل يوم، مع تفاوت في توزيع الشاحنات التجارية والإغاثية، فيما سُجل أدنى مستوى للحركة في الثالث من إبريل/نيسان من دون دخول أي شاحنات، بينما اقتصرت الحركة في الثاني من الشهر على 59 شاحنة مساعدات فقط، من دون أي نشاط تجاري.
وتعكس هذه الأرقام حالة من التذبذب الحاد، مع بقاء الكميات الواردة أقل من ثلث الكمية المتفق عليها في البروتوكول الإغاثي البالغة 600 شاحنة يومياً، وقرابة خمس الاحتياج الفعلي المقدر بنحو ألف شاحنة يومياً. وبحسب مصدر تجاري تحدث لـ"العربي الجديد"، فإنّ الأرقام التي يستند إليها ملادينوف تعكس "تضليلاً منهجياً" إذ تعتمد على بيانات صادرة عن وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية (COGAT)، والتي تعتمد آلية حسابية مختلفة تقوم على تقسيم الحمولة على عدد شاحنات أكبر مما هو متوفر، بغض النظر عن العدد الحقيقي للشاحنات التي تدخل القطاع. وقال المصدر إن هذا التضخيم في الأرقام لا يمكن فصله عن سياق أوسع يستهدف إعادة تشكيل الرواية الدولية حول الوضع في غزة، عبر الإيحاء بتحسن تدفق المساعدات، في حين تستمر فعلياً سياسات تقييد الإمدادات وفرض قيود مشددة على دخول البضائع، بما في ذلك استمرار التنسيقات المرتفعة وسياسات الاحتكار التي تؤثر على السوق المحلي.
بيانات تناقض الواقع
وفي السياق ذاته، أكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، في بيان، أن تصريح نيكولاي ملادينوف بشأن دخول 602 شاحنة إلى قطاع غزة يوم الخميس الماضي، عارٍ عن الصحة ويفتقر إلى الدقة والمصداقية، ويتناقض مع الوقائع الميدانية الموثقة، حيث تؤكد البيانات الفعلية لهذا اليوم دخول 207 شاحنات فقط. من جانبه، قال المختص في الشأن الاقتصادي عماد لبد إن تراجع عدد الشاحنات التجارية والإغاثية الداخلة إلى غزة منذ بداية مارس/آذار يشير إلى تعمق الاختناق المعيشي والاقتصادي في القطاع، موضحًا أن انخفاض حجم الواردات بنسبة تقارب 39% خلال شهر واحد فقط، رغم وجود عجز مسبق، يعني ببساطة أن المعروض في السوق يتراجع بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، في ظل بقاء الطلب عند مستويات مرتفعة.
وأوضح لبد لـ"العربي الجديد" أن أي انخفاض في تدفق السلع إلى سوق يعاني أصلًا الحصار والانهيار يقود مباشرة إلى ثلاث نتائج رئيسية، تتمثل في نقص السلع، وارتفاع الأسعار، وتوسع السوق السوداء، والاحتكار والمضاربة، وهو ما يفسر حالة القلق المتصاعدة في الأسواق، خاصة مع تراجع دخول المواد الغذائية والوقود والاحتياجات الأساسية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية. وأشار إلى أن المشكلة الأعمق تكمن في غياب اقتصاد مرن قادر على امتصاص الصدمات، في ظل مؤشرات كارثية تشمل بطالة تتجاوز 80%، وفقرًا يفوق 90%، واعتماد نحو 95% من الأسر على المساعدات، مؤكدًا أن أي تراجع إضافي في الإمدادات لا يُترجم فقط إلى أزمة سوق، بل إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي والمعيشي، خاصة أنّ ما يدخل فعلياً لا يمثل سوى جزء محدود من الحد الأدنى المتفق عليه، والذي لا يغطي بدوره الاحتياج الحقيقي للقطاع.
وفي ظل استمرار الفجوة بين الخطاب الدولي والواقع الاقتصادي في غزة، يبقى الاقتصاد في القطاع عالقاً بين اختناقات الإمداد وضغوط الطلب في بيئة تزداد هشاشة يومًا بعد آخر، ما يعزز المخاوف من تحول الأزمة الراهنة إلى حالة طويلة الأمد من الانكماش الحاد وانعدام الأمن الاقتصادي.

Related News
لماذا يُقتل الشعراء؟
alaraby ALjadeed
1 hour ago