Arab
أظهرت الشراكة بين شركة "عُمان فود كابيتال" وشركة "جي بي إس" البرازيلية، أكبر منتج للحوم في العالم، تحولاً استراتيجياً في موقع سلطنة عُمان، من سوق مستهلكة إلى لاعب إقليمي يسعى لاقتناص حصة من تجارة اللحوم الحلال، مستفيداً من استثمارات تقترب من 150 مليون دولار لإنشاء منصتَين صناعيّتَين للحوم الحمراء والدواجن، وفق بيانات رسمية. ويأتي هذا التحول مدفوعاً بتداعيات الحرب في إيران، التي أعادت رسم خريطة سلاسل الإمداد في الخليج، إذ برزت عُمان بوصفها ممراً لوجستياً بديلاً أكثر استقراراً مقارنة بمضيق هرمز، ما يعزز جاذبية الاستثمار في القطاع الغذائي على المدى المتوسط.
فمع تعطل الشحنات عبر الخليج، يتجه المستثمرون الدوليون نحو الموانئ العُمانية، مثل الدقم وصلالة، ما يدعم موقع السلطنة قاعدةً لوجستية بديلة، بحسب تحليل نشره المركز الدولي للبحوث السياسية والاقتصادية (IFPRI) في 6 مارس/آذار الماضي.
وبطاقة إنتاجية مخططة تبلغ 300 ألف طن سنوياً، تشمل 77 ألف طن من لحم البقر، و20 ألف طن من الضأن، و208 آلاف طن من الدواجن، تسعى عُمان إلى ترسيخ موقعها ضمن سلاسل الإمداد العالمية للحوم، وفق بيان صادر عن الشركة البرازيلية في 9 فبراير/شباط 2026، وتقديرات منصة "زاوية" في 10 فبراير. وفي ظل تصاعد القيود على الملاحة في مضيق هرمز، تشير تقديرات معهد "تشاتام هاوس" إلى أنّ ارتفاع تكاليف الشحن قد يدفع مصدّري اللحوم إلى إعادة توجيه جزء أكبر من صادراتهم عبر الموانئ العُمانية، ما يمنح المشروع زخماً إضافياً، وفق ما نقلته "رويترز" في 5 مارس الماضي.
ممر بديل
ومن زاوية التموضع الجغرافي، تمتلك عُمان مزايا تنافسية متنامية، إذ تجمع بين موانئ عميقة على بحر العرب والمحيط الهندي، واتصال بري مباشر مع السعودية والإمارات، كما صُمّمت منصتا عبري وثمريت منذ البداية لتخدم أسواق الخليج وآسيا وشمال أفريقيا، لا السوق المحلية فحسب، في انسجام مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040". ومع توقف نحو 70% من الشحنات الغذائية عبر مضيق هرمز، وفق تقديرات "سترايتس تايمز"، تبرز السلطنة بوصفها ممراً بديلاً، رغم أن إعادة توجيه الشحنات ترفع في المقابل تكاليف التأمين والنقل على مستوى الإقليم. ورغم أن زيادة الطاقة الإنتاجية المحلية يفترض أن تخفض تكاليف الاستيراد، فإنّ تأثيرها على أسعار اللحوم سيظل مرهوناً بالأسعار العالمية. فقد سجل مؤشر أسعار اللحوم لدى منظمة الأغذية والزراعة (فاو) ارتفاعاً بنحو 5% في 2025 مقارنة بعام 2024، مدفوعاً بقوة الطلب واضطرابات الإمدادات.
ويتوقع خبراء أن تؤدي الحرب إلى زيادة تكاليف الأعلاف والطاقة، ما يرفع تكلفة الإنتاج عالمياً، خاصة في الشرق الأوسط، وهو ما قد ينعكس في زيادات إضافية في الأسعار إذا استمر تعطل الشحن لفترة طويلة، بحسب "رويترز". كما أنّ ارتفاع تكاليف التأمين والشحن بنسبة تتراوح بين 30% و40% خلال الأسابيع الأولى من الحرب يقلص هامش خفض الأسعار محلياً، رغم مزايا التصنيع والتعبئة داخل السلطنة. في المقابل، يمنح امتلاك طاقة تصنيع محلية كبيرة صانعي السياسات قدرة أكبر على ضبط هوامش الربح في سلاسل التوريد، خصوصاً في المواسم مرتفعة الطلب مثل رمضان والحج، عبر عقود توريد طويلة الأجل بأسعار أكثر استقراراً.
وتحمل الشراكة مع "جي بي إس" أثراً مزدوجاً على القطاع المحلي؛ إذ ترفع مستوى المنافسة أمام المنتجين المحليين، لكنها تفتح أيضاً فرصاً للاندماج في سلاسل القيمة عبر توريد الأعلاف والماشية والخدمات اللوجستية. وتعزز هذه المؤشرات نمو صادرات الماشية العُمانية بنسبة 45% في 2023، مع توجهها بشكل رئيسي إلى الإمارات والسعودية وقطر، وفق بيانات منصة "فود بيزنس ميدل إيست". وفي ظل التوترات الجيوسياسية، ترى "فيتش سوليوشنز" أن توسع "جي بي إس" في عُمان يقلل اعتماد الخليج على مضيق هرمز، ويدعم استقرار إمدادات اللحوم، بشرط استمرار استقرار المسارات اللوجستية العُمانية. كما يأتي هذا التوسع ضمن استراتيجية برازيلية أوسع للتغلغل في الأسواق الإسلامية، إذ فتحت البرازيل في 2024 سوقاً جديدة لتصدير الأغنام والماعز إلى عُمان، ما يعزز دور السلطنة حلقة وصل بين الإنتاج البرازيلي والأسواق الخليجية.
نجاحات الأمن الغذائي
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي يوسف بن حمد البلوشي أنّ عُمان حققت تقدماً ملموساً في ملف الأمن الغذائي، مدعوماً باستثمارات كبرى تعزّز مكانتها مركزاً إقليمياً لتوزيع الغذاء، مشيراً إلى أنّ الموقع الجغرافي، وقرب المشروع من ميناءي الدقم وصلالة، يمنحانه أفضلية لوجستية واضحة. ويرى أنّ المشروع يمثل خطوة نحو تحويل عُمان من مستورد للحوم إلى مصدر إقليمي، مستفيداً من تصاعد أهمية الأمن الغذائي في ظل التوترات الإقليمية. ومن جانبه، يرى الخبير الاقتصادي خلفان الطوقي أنّ الشراكة مع "جي بي إس" تمثل جزءاً من استراتيجية أوسع يقودها جهاز الاستثمار العُماني، تقوم على توظيف الاستثمارات الخارجية لجذب شركاء دوليين إلى السوق المحلية.
ويعتبر الطوقي أن عُمان باتت تمثل "صمام أمان" للاستثمارات الغذائية في الخليج، في ظل المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، ما يعزز موقعها مركزاً إقليمياً للأمن الغذائي وسلاسل التوريد. ويمتد هذا النهج إلى قطاعات أخرى، مثل السياحة والصناعات المتقدمة، بما في ذلك أشباه الموصلات، ضمن استراتيجية تستهدف دمج عُمان في سلاسل الإمداد العالمية، وتحويلها إلى منصة استثمارية متعدّدة الأبعاد.

Related News
لماذا يُقتل الشعراء؟
alaraby ALjadeed
1 hour ago