"آبل" في يوبيلها الذهبي... ألف أغنية وأغنية
Arab
1 hour ago
share
عند استعراض أبرز اللحظات الفارقة في تاريخ الشركة الأميركية الرائدة في صناعة التكنولوجيا "آبل"، وهي تحتفل هذا العام بمرور خمسين عاماً على تأسيسها، يُستعاد المؤتمر الصحافي الذي عُقِد في شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 2001، بمقرّها الرئيسي في وادي السيليكون بولاية كاليفورنيا. خلال المؤتمر، اعتلى المدير التنفيذي السابق، ستيف جوبز، المنصّة ليُعلن منتجاً جديداً، اسمه آيبود (iPod)، مبتدئاً بجملةٍ واحدة، ثبت أنّها ستُغيّر تجربة الاستماع الموسيقي إلى الأبد، حين قال مخاطباً حشد الصحافيين والإعلاميين، واصفاً ما الذي سيُضيفه الجهاز إلى نمط حياة مقتنيه: "لقد أصبح في جيبكم اليوم ألف أغنية". بالنظر إلى آيبود عبر منظورٍ تطوّري، يبدو الجهاز مُكمّلاً لسيرورة ابتكار أجهزة الاستماع المحمولة، ابتداءً من الغرامافون ذي البوق والصندوق والقاعدة التي تستقرّ عليها الأسطوانة الموسيقية، فتُدار يدويّاً بمحورٍ ميكانيكي، والذي تحوّل إلى سلعةٍ جماهيرية بفضل شركة إتش إم في (HMV) في العقد الأول من القرن العشرين. ثم تلاه مُشغِّل أشرطة الكاسيت المحمول، المعروف باسم ووكمان (Walkman)، والموصول بزوجِ مكبّريْ صوت ذوي كبل، يُوضع حول الرأس والأذنين، وأنتجته شركة سوني عام 1979، ومن ثم أتبعته لاحقاً بلاعب الأقراص المضغوطة ديسكمان (Discman) سنة 1984، بعد أن حلّت الأخيرة مكان الكاسيتات. وقد سبق لجميع الابتكارات السابقة أن أحدثت ثلاثة تغيّرات جوهريّة في تجربة الاستماع إلى الموسيقى: الأوّل جعلُها فرديّة، إذ لم يعد المُستمع مُضطرّاً إلى ارتياد حفلٍ أو حضور مناسبةٍ اجتماعية بمشاركة آخرين، بهدف اختبار أداءٍ حيٍّ يقدّمه عازفٌ أو مجموعة من عازفين، أو حتى الانتقال إلى حيث يتوفّر حاكٍ ثابت أو مذياع. يكمن التغيّر الثاني في جعلها شخصيّة، فالمستمع لم يعد مُقيّداً بما يُبثّ له من أغانٍ ومقطوعات عبر أثير الإذاعات، وإنما بات في مقدوره الاختيار وفق مزاجه وبحسب ذائقته. أمّا الثالث فهو جعلها محض زمانيّة، أي مستقلّة عن المكان، بعد أن لم يعد لحامل الجهاز فقط أن يختار ماذا وأين يسمع، وإنما متى، ما دامت البطارية لم تزل صالحة، أو أنّ إمكانية إعادة شحنها متاحة. يبقى أنّ ما يجمع جميع الابتكارات السابقة هو الحاجة الدائمة إلى وسيطٍ فيزيائيٍّ يحفظ المادة السمعية، أشبه بعبوة، تفاوتت في أحجامها وسعاتها الزمنية ونوعيّة الصوت المحفوظ داخلها. يُعزى ذلك إلى حدود سيرورة تطوّر التكنولوجيا الصناعية ذاتها. إلى أن أتى آيبود بطفرةٍ تكنولوجيّة؛ على إثرها لم يعد الجهاز مُشغِّلاً لعبوةٍ صلبة تُدخَل فيه وتحتوي على تسجيلٍ صوتيٍّ، وإنما بات بالإمكان تحميل التسجيل رقميّاً على ذاكرة الجهاز على شكل ملفّاتٍ صوتية مضغوطة السعة البيانيّة إم بي 3 (MP3). وإذا ما تفاوتت تلك الذواكر وتفاضلت في السعات بين موديلٍ وآخر، فإن جهازاً صغيراً يُوضَع في الجيب بات يضم مكتبةً موسيقية بأكملها من الأغاني والمقطوعات، لم يكن التجوّل بها في السابق ممكناً إلا بنقلها على متن شاحنة. وعلى إثر تلك الطفرة التكنولوجية، حدث تحوّل جذريٌّ آخر في الصناعة الموسيقية، عملت "آبل" بدايةً على احتكاره، ومن ثم سعت إلى التحكّم فيه. فقد ترافق إطلاق آيبود بإنشاء منصّة آيتيون، ثم آبل ميوزيك (Apple Music) عام 2015، لتبدأ بذلك حقبةٌ جديدة من الاستماع إلى الموسيقى، أخذت تعتمد بتزايد على شبكة الإنترنت؛ فبدلاً من أن يقتني المُستمع العبوة الصوتية، سواء بصورتها الصلبة من أسطوانة أو شريطٍ، أو الخفيفة بنسخ المحتوى بياناتٍ على الكومبيوتر ومن ثم تحميله على مُشغِّل إم بي 3 محمول، صار بالإمكان الاستماع إلى الموسيقى مرفوعةً على الإنترنت ومتاحة، من المنتج إلى المستهلك، عبر منصّةٍ رقميّة تجاريّة، أو ما بات يُعرف بخدمة البثّ التدفّقي (Streaming). لم تقف سيرورة التطوّر عند هذا الحد. فقد أتى المؤتمر الصحافي للشركة في يونيو/حزيران سنة 2007 بإعلانِ منتجٍ ثوريٍّ آخر، لن يقف تأثيره عند حدود السماع، بل سيتجاوزه مُبدّلاً تجربة الإنسان برمّتها إزاء الواقع ومعاينته معرفياً ووجودياً. إنّه جهاز آيفون، عبارة عن ثلاثة في واحد، على حد وصف جوبز: آيبود وهاتف ووسيلة اتصال بالإنترنت. بذلك، لم يعد الاستماع إلى الموسيقى يستدعي البحث بين الجيوب عن مُشغِّل إم بي 3 الخاص بالاستماع إلى الملفّات السمعية، وإنما يكفي النقر بالإبهام على تطبيق آبل ميوزيك المحمَّل على جوّال آيفون لولوج الألف أغنية وأغنية، إمّا مرفوعةً على الإنترنت، وإمّا محفوظة على ذاكرة الجهاز الصلبة، أو المودعة، كما سيجري في ما بعد، على غيمةٍ افتراضية (آي كلاود) تعمل مركزَ حفظ بياناتٍ، تؤجّره الشركة لمستخدميها وفق اشتراكاتٍ شهرية. هكذا، ولأول مرة في تاريخ السماع بين إبداعٍ واستماع، بات في متناول أيٍّ كان أن يصل، متى شاء ومن أي مكانٍ يشاء، إلى ملايين الأغنيات والمقطوعات، بمجرّد ولوجه منصّةً رقميّة على الإنترنت، من خلال تطبيقٍ مُحمَّل على جوّال. بذلك، تأسّس نظامٌ بيئيٌّ سمعيٌّ (Ecosystem) ثلاثيّ الأركان، تملكه وتُديره شركة آبل، يبدو للوهلة الأولى بمثابة ذروة السيرورة التطوّرية للكيفية التي استمع بها الإنسان إلى الموسيقى، لجهة كلٍّ من فردية الاستماع، وتحرّره من الأينيّة، واعتماده على التجربة الشخصيّة التي بلغت مستوياتٍ متقدّمة، مع توفير "آبل" قوائم الاستماع، إذ تُرتّب المواد السمعية وفق رغبة المستخدم (Playlist)، واعتماد الخوارزميات في اقتراح مواد سمعية جديدة تأخذ ذوقه وميوله بعين الاعتبار. وكما هي الحال عند كل عتبات التطوّر، ثمة ما تفقده الحياة مقابل ما تكسبه. لعلّ أهم ما خسره المُستمع، في غمرة الوفرة غير المسبوقة وشبه غير المحدودة إزاء ما يسمع ومتى وأين، هو، ولأجل المفارقة، الكلفة المبذولة في سبيل القيام بفعل السماع؛ أكانت الكلفة نفسيّة تتعلّق بالاختيار، عوضاً عن تفويض الخوارزميات، أو الكلفة المادية التي سبق أن جعلت من السعي إلى اقتناء العبوة الصلبة المحسوسة من أسطوانة أو كاسيت، وحفظها في مكتبة البيت، بمثابة تأثيثٍ روحيٍّ لجدرانه. ثمّة أيضاً الكلفة النفسية والبدنية معاً، المتمثّلة بالاستعداد لأجل الهمّ بارتياد أمسيةٍ موسيقيّة بحضور مستمعين آخرين، فتكون أشبه بطقسٍ دينيّ، لن يستقيم إلا بإطفاء آيفون.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows