Arab
يسير الاقتصاد البريطاني على مدى العشرين عاماً الماضية تقريباً، من عثرة إلى أخرى، دون فرصة لالتقاط الأنفاس وتحقيق النمو الذي يحلم به البريطانيون والذي كان وعداً لم تنجزه حكومات مختلفة من المحافظين والعمال. والحاصل أن الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالعالم حالياً، تنال بصورة واضحة من بريطانيا لأنها تبدد بشكل كبير طموحات النمو التي ظل البريطانيون ينتظرونها في فترات الهدنة بين أزمة وأخرى.
ففي العام 2008 كانت بريطانيا من أكثر الدول تأثراً بالأزمة الاقتصادية العالمية والتي شهدت تدخل حكومة العمال بقيادة غوردون براون لإنقاذ البنوك وقطاعات اقتصادية مهمة من انهيار محقق.
وفي عام 2015 دخلت البلاد حالة الحيرة الاقتصادية بالخلاف حول البقاء في الاتحاد الأوروبي أو الخروج منه لينتهي الأمر في 2016 بخروج أثر سلباً على الاقتصاد والمواطن ليمضي الاقتصاد البريطاني ثلاث سنوات بعدها في إعادة ترتيب أوراقه مع الاتحاد الأوروبي، وفي عام 2020- 2022 ضربت العالم جائحة كوفيد، وكانت المملكة المتحدة من أكثر الدول تضرراً بفاتورة بلغت حوالي 400 مليار جنيه إسترليني (حوالي 750 مليار دولار).
ثم كان الغزو الروسي لأوكرانيا علامة فارقة في الاقتصادات الأوروبية خصوصاً والعالمية بشكل عام، وكان تأثيره على الاقتصاد البريطاني ملحوظاً في فاتورة أسعار الطاقة التي أصبحت من بين الأعلى أوروبياً وعالمياً، ما أثر على التصنيع والاستثمارات ودفع الحكومات المتعاقبة إلى تمويل العجز في الموازنة عبر الاقتراض من الأسواق المالية بأسعار فائدة مرتفعة.
تفاؤل معكوس
لذلك يشعر المستهلك البريطاني، دافع الضرائب، بكثير من سوء الحظ تجاه تداعيات الحرب التي شنتها إسرائيل وأميركا على إيران في نهاية فبراير/شباط الماضي، إن كان يمكن اعتبار أن للحظ دوراً فيما يحدث. تتداول الكتابات الاقتصادية تلك التداعيات تحت مصطلح رئيسي هو "Trumpflation" أي "تضخم ترامب"، ما يشير إلى أن الأزمة بفعل فاعل وليست من أفعال القدر أو أخطاء السوق.
قبل اندلاع الحرب مباشرة، كانت أجواء من التفاؤل الحذر تسود بين المحللين بشأن اقتصاد بريطانيا. كانت الأسواق تتوقع أن يقوم "بنك إنكلترا" بخفض أسعار الفائدة، مما يجعل القروض العقارية أرخص ويشجع الشركات على الاستثمار. كما كانت أسعار الطاقة أقل، بعدما تراجعت من ارتفاع كبير أعقب غزو روسيا لأوكرانيا. وكان النمو متواضعاً، لكن كبار الاقتصاديين كانوا يرون أنه قد يتجاوز التوقعات أخيراً.
ثم شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران التي هاجمت بدورها دول الخليج ومنابع الطاقة وأغلقت مضيق هرمز وتغيرت الصورة بسرعة، ارتفعت أسعار النفط بعد انقطع خمس إمدادات النفط العالمية. وارتفعت أسعار الوقود في محطات البنزين بشكل شبه فوري، وبدأت التكاليف غير المباشرة تنتقل إلى فواتير المستهلك البريطاني. ثم تراجعت التوقعات بحدوث نمو اقتصادي، وتتوقع الأسواق الآن ارتفاعاً طفيفاً في أسعار الفائدة بدلًا من انخفاضها.
صورة قاتمة
لا تحمل تطورات الحرب على إيران أخباراً جيدة للاقتصاد البريطاني. والقرارات التي ستُتخذ خلال الأيام والأسابيع المقبلة بشأن وقف إطلاق النار ستؤثر لا شك على فاتورة المستهلكين. فقد ارتفعت أسعار البنزين بشكل كبير. كما ارتفعت فائدة الرهن العقاري بصورة ملحوظة. وقد انهارت صفقات شراء منازل لبعض الأشخاص لأن بعض البنوك سحبت عروضها.
الأكثر تضرراً من هذه التداعيات هم الفئات الأكثر فقراً، فقد تفاقمت أزمة تكلفة المعيشة منذ بدايتها في عام 2022، إذ يواجه أربعة من كل عشرة بالغين صعوبة في دفع فواتير الطاقة، وفقاً للبيانات الرسمية. وقد تزداد الأوضاع سوءاً بالنسبة لنحو 3.8 ملايين شخص في المملكة المتحدة يعيشون في حالة فقر مدقع، أي أن الأسر لا تستطيع تحمل تكاليف التدفئة، أو السكن اللائق، أو النظافة، أو الملابس أو الغذاء، بحسب مؤسسة جوزيف راونتري الخيرية.
لا تقتصر تداعيات الأزمة على نفقات المواطن، لكنها تمتد لتؤثر بشكل ملحوظ على الإنفاق الحكومي، فقد زادت تداعيات الحرب من الضغوط على المالية العامة للحكومة. وبلغ الدين نحو 100% من الناتج المحلي الإجمالي بعد ارتفاعه نتيجة صدمات اقتصادية متتالية مثل جائحة كورونا، كل هذا الدين أصبح أكثر تكلفة على المدى القصير. فنحو جنيه واحد من كل مئة جنيه تنفقها الحكومة يذهب لسداد فوائد الدين، وهو مستوى أعلى بكثير مما كان عليه الوضع سابقاً، وتقدر دوائر مستقلة أن الخزانة البريطانية تدفع ما يصل إلى 115 مليار دولار سنوياً فوائد للديون.
وبينما تسعى الحكومة ووزيرة الخزانة راتشيل ريفز لدعم الفئات الأكثر تضرراً، فسيعني ذلك مخصصات إضافية في الموازنة، ولأن الحكومة تنفق أكثر مما تجنيه من الضرائب، فسوف تضطر لاقتراض الباقي من الأسواق المالية. وهذا النوع من الاقتراض سيكون مكلفاً للغاية في ضوء الاتجاه الذي تفرضه الأزمة على البنوك المركزية لرفع أسعار الفائدة ضمن سياسات التشدد النقدي لكبح التضخم.
وسط مبررات التشاؤم العديدة، تتطلع الحكومة البريطانية، مثل كل حكومات الأغنياء والفقراء عالمياً، إلى وقف الحرب بشكل يضمن عودة سلاسل إمدادات الطاقة والأسمدة والبتروكيماويات إلى طبيعتها قبل الثامن والعشرين من فبراير/شباط الماضي، الأمر مرهون بصمود وقف إطلاق النار إذن، فاستئناف الحرب يعني أن الأسوأ اقتصادياً لبريطانيا وغيرها لم يأت بعد.
