Arab
يكشف تحقيق أعده موقع مجلة +972 الإسرائيلية عن بنية إعلامية عسكرية معقّدة داخل وحدة الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، تتجاوز دورها التقليدي في نقل المعلومات إلى وظيفة أكثر تركيباً تقوم على إدارة الوعي العام والتحكم بالسرديات. فبحسب شهادات جنود وصحافيين، تعتمد هذه الوحدة على مزيج من العمليات النفسية (Psy-ops)، والتسريبات الانتقائية، ونظام الوصول الحصري للصحافيين، بهدف ضبط الخطاب الإعلامي داخلياً وتوجيهه خارجياً بما يخدم الرواية الإسرائيلية. وأظهر التحقيق أن هذه الآليات لا تعمل بشكل عفوي، بل ضمن سياسة مؤسسية تسعى إلى تفضيل الصحافيين "المتعاونين"، ومعاقبة الأصوات النقدية، وإنتاج محتوى موجّه للجمهور الدولي متخفياً تحت غطاء منصات إعلامية مستقلة.
ينطلق التحقيق، المنشور أمس الأربعاء، من شهادة مجندة احتياط في الوحدة تُدعى "غيلي" (اسم مستعار)، استُدعيت عقب عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وعُيّنت في القيادة الشمالية. تروي "غيلي" أن العمل جرى داخل غرف عمليات تحت الأرض، في ظل تصعيد متواصل على الجبهة الشمالية مع حزب الله، حيث كانت الصواريخ والقذائف المضادة للدروع تُطلق شبه يومياً. لكن، وفق شهادتها، لم يكن مسموحاً نقل هذه الصورة إلى الجمهور الإسرائيلي، إذ تعمّدت الوحدة التقليل من حجم التهديد لتجنّب إثارة الذعر، رغم إدراك العاملين فيها أن الواقع أكثر هشاشة مما يُعرض إعلامياً. وتقول إن الخطاب الرسمي ركّز على إبراز القوة والجاهزية، بينما جرى إخفاء مظاهر الضعف.
شهادة غيلي، التي تصف زعم جيش الاحتلال بأنه "مستعد لكل سيناريو" بأنه "هراء"، تعكس نمطاً أوسع وثّقه التحقيق عبر مقابلات مع جنود ومراسلين عسكريين، كشفوا عن سعي ممنهج للسيطرة على النقاش العام، وتفضيل الصحافيين "المتعاونين"، وتهميش أو معاقبة الأصوات التي تخالف هذا التوجه.
ويقول أحد المراسلين العسكريين البارزين إن "الناطق العسكري يكذب"، ويوضح أن التلاعب لا يكون دائماً عبر الأكاذيب المباشرة، بل عبر عرض بيانات جزئية أو مضللة. ويورد مثالاً على ذلك من الحرب مع إيران حيث أعلن جيش الاحتلال تدمير 70% من منصات إطلاق الصواريخ، في حين أظهرت مراجعات صحافية أن الضربات استهدفت أحياناً مداخل أنفاق وليس المنصات نفسها، أو أن المنصات استمرت في العمل رغم الإعلان عن تدميرها.
في موازاة إدارة الخطاب الداخلي، يكشف التحقيق عن تشغيل وحدة الناطق العسكري في الجيش الإسرائيلي حملة عمليات نفسية سرية بين أكتوبر 2023 وديسمبر/كانون الأول 2024، هدفت إلى التأثير في الرأي العام داخل إسرائيل وخارجها. ضمن هذه الحملة، أُنشئت شبكة منصات إعلامية حملت اسم Fact Check، شملت مجموعة على "واتساب" وقناة على "يوتيوب" وحساباً على "إنستغرام"، وقدّمت نفسها كمنظمات غير ربحية مستقلة تهدف إلى "تزويد الطلاب بالمعلومات والحقائق حول الحرب". غير أن التحقيق يثبت أن هذه المنصات كانت تُدار بالكامل من داخل الوحدة، وأنتجت عشرات الفيديوهات التي تروّج للرواية الإسرائيلية، من بينها نفي الإبادة الجماعية في غزة، والدفاع عن إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، والترويج لسرديات تاريخية تنفي الطابع الاستعماري للمشروع الصهيوني.
ولتعزيز انتشار هذه المواد، تعاونت الوحدة مع مؤثرين إسرائيليين ودوليين، من بينهم نوعا تيشبي وساراي جيفاتي، إضافة إلى شخصيات من الجاليات اليهودية في الخارج، تولوا الترويج للمحتوى عبر "واتساب" و"يوتيوب" و"إنستغرام"، لضمان وصوله إلى ملايين المستخدمين. ويقر أحد الجنود المشاركين في إنتاج هذه المواد بأن القنوات بدت مستقلة، لكنها في الواقع كانت تروّج للرواية الرسمية، ويصرح بأن الأجواء داخل الوحدة تغيّرت مع الوقت، خصوصاً مع تصاعد الدمار في غزة، إذ بدأ بعض المشاركين يشعرون بأن السردية التي يروجونها لم تعد قابلة للاستمرار.
وفي سياق موازٍ، اضطلعت هذه الوحدة في الجيش الإسرائيلي بدور مركزي في معالجة وتوزيع المواد المصورة لما حصل يوم 7 أكتوبر 2023، إذ جمع الجنود كميات كبيرة من الفيديوهات، بما فيها مقاطع صوّرها مقاتلو حركة حماس، وأعادوا تحريرها لتناسب آلية النشر على منصات التواصل، ثم جمعوها في فيلم مدته 47 دقيقة عنوانه "توثيق مجزرة 7 أكتوبر"، أشرف عليه الرائد احتياط يوفال هوروفيتس، رئيس قسم الحملات في جيش الاحتلال. ويصف أحد الجنود العملية بأنها جرت "بلا رقابة"، أشبه بحملة تسويق رقمي، بحيث كان التركيز على ما يجذب الانتباه ويحقق انتشاراً أوسع.
ويُظهر التحقيق أن هذه الأساليب ليست جديدة، بل تمتد جذورها إلى حملات سابقة، مثل حملة GazaRegrets# (غزة تندم) التي أُطلقت خلال عدوان مايو/أيار 2021، حين أدار جنود إسرائيليون حسابات مزيفة للترويج للاعتداءات على القطاع الفلسطيني والتفاعل مع مؤيدي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، من دون الكشف عن ارتباطهم بالمؤسسة العسكرية. ورغم اعتراف الجيش الإسرائيلي لاحقاً بأن هذه الحملة كانت "خطأ"، إلا أن التحقيق يبيّن استمرار استخدام الأساليب نفسها في السنوات التالية.
أما العلاقة مع الصحافيين، فيكشف التحقيق أنها تُدار وفق ما وصفها أحدهم بسياسة "الجزرة والعصا". فالحصول على المعلومات أو الوصول إلى المسؤولين العسكريين يمر حصرياً عبر وحدة الناطق العسكري. ويُمنح هذا الامتياز لمجموعة محدودة من الصحافيين تُعرف بـ"خلية المراسلين"، تضم نحو 16 صحافياً يحصلون على إحاطات حصرية وخطوط اتصال مباشرة، فيما يُحرم الصحافيون الباقون من هذه الامتيازات أو يُقصون إلى مواقع أقل أهمية. وتشير شهادات إلى وجود تدرّج هرمي داخل هذه الخلية نفسها، فالأفضلية لمراسلي القنوات التلفزيونية، خصوصاً أولئك الذين يُنظر إليهم على أنهم متماهون مع الرواية الرسمية.
في السياق، يروي صحافيون أنهم تعرضوا لعقوبات مهنية بسبب تغطياتهم النقدية، فيما يوضح الصحافي يانيف كوبوفيتش من صحيفة هآرتس أن وحدة الناطق العسكري، عندما يطلب منها الصحافيون تعليقاً رسمياً قبل النشر، لا تسعى دائماً لتقديم معلومات دقيقة، بل قد تستخدم هذا التواصل لتأخير نشر التحقيقات أو الحدّ من تأثيرها. ويضيف أن الجيش الإسرائيلي "بعد صدمة 7 أكتوبر" بات "أكثر ميلًا لقمع التقارير التي تكشف الإخفاقات أو المشكلات الأخلاقية، بدلاً من مواجهتها".
كما تكشف "روني"، وهي جندية خدمت في الوحدة، عن آليات دقيقة للتحكم بتدفق المعلومات، من بينها اختيار عدم الرد على بعض الصحافيين أو وسائل الإعلام، واستخدام التسريبات الانتقائية لضمان نشر روايات معينة عبر منصات محددة. وتورد مثالاً على ذلك حادثة تسلل أشخاص من مجموعة أوري تسافون الاستيطانية إلى لبنان في ديسمبر/كانون الأول 2024، إذ نفت الوحدة في البداية الواقعة، قبل أن تسربها لاحقاً إلى مراسل إذاعة الجيش دورون كادوش، مع إعادة صياغتها بما يخدم الرواية الرسمية.
هذا التحكم يمتد أيضاً إلى مستوى الوصول إلى القيادات العسكرية، إذ يشير التحقيق إلى ندرة اللقاءات بين الصحافيين وكبار المسؤولين، مثل رئيس الأركان إيال زامير، وغياب اللقاءات مع قادة جبهات حساسة، في ظل خشية المؤسسة العسكرية من تأثير الصحافة النقدية على "المعنويات".

Related News
هدوء بـ«وول ستريت» مع اهتزاز الثقة في وقف إطلاق النار
aawsat
2 minutes ago
أمين عام «أوبك»: التزامنا راسخ بدعم استقرار سوق النفط
aawsat
4 minutes ago