أربعة سيناريوهات لمستقبل مضيق هرمز
Civil
8 hours ago
share

يمن مونيتور/ وحدة الترجمة/ من جون دوبسون

هل فكر دونالد ترامب ملياً في تبعات هجومه على إيران؟ هل أدرك أن مضيق هرمز، ذلك الممر الملاحي الضيق الذي يربط الخليج العربي ببحر العرب، يعمل كشريان حيوي لتدفقات الطاقة العالمية ومنتجات مهمة أخرى مثل الأسمدة الضرورية للزراعة في العالم؟ على الأرجح لا. فبعد كل شيء، عندما تعين مقدم برامج حوارية وزيراً للدفاع ــ وهو مسيحي إنجيلي صاغ حرب الشرق الأوسط صراحة من منظور إيمانه، معلناً أنها مواجهة بين “عيسى ومحمد” ــ فمن غير المرجح أن تحصل على أي نصيحة عسكرية سديدة. كان بإمكان أي تلميذ أو تلميذة أن يخبر ترامب أن مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، كان سلاح إيران “غير السري” الذي ستغلقه على الفور إذا تعرضت لهجوم. لكن يبدو أن بيت هيغسيث لم يكن مدركاً لذلك على الإطلاق؛ وبدلاً من ذلك، تواطأ مقدم برامج “فوكس نيوز” السابق، المتزوج ثلاث مرات والذي طالما جاهر بإيمانه (حتى على جسده، حيث يضع وشم “صليب القدس” على صدره)، مع ترامب لإشعال حرب أحدثت موجات صدمة في الاقتصاد العالمي.

تعد الهند عرضة بشكل خاص لإغلاق المضيق، حيث تستورد نحو 80-85% من احتياجاتها النفطية وتعتمد بشكل كبير على منتجي الخليج. ويتسم اقتصادها بحساسية شديدة تجاه تقلبات أسعار النفط؛ وكما هو الحال في العديد من البلدان، فإن تكاليف الوقود تمتد بسرعة لتشمل قطاعات النقل وأسعار المواد الغذائية والإنتاج الصناعي. ومعها يرتفع التضخم، وتضعف العملة، وتتزايد الضغوط المالية مع تدخل الحكومة لاستقرار الأسعار. إن إغلاق مضيق هرمز ليس مجرد شاغل جيوسياسي بعيد؛ بل أصبح بالنسبة للهند والعديد من الدول بمثابة شرارة اقتصادية محلية. وما سينكشف في المضيق لن يشكل مسار الصراع فحسب، بل سيحدد أيضاً استقرار أسواق الطاقة، ومصداقية القانون الدولي، وحدود القوة البحرية في القرن الحادي والعشرين.

ثمة أربعة مخرجات واسعة النطاق بدأت في التبلور، لا شيء منها يبدو واضح المعالم أو مضموناً، وكل منها يحمل مخاطر تمتد إلى ما هو أبعد من منطقة الخليج.

الاحتمال الأول، وهو “الواقع الجديد”، يتمثل في إبقاء إيران على قبضتها الحالية؛ ليس عبر إغلاق كامل، بل من خلال وضع أكثر غموضاً وربما أكثر فاعلية، يصفه المحللون بـ “الحصار الانتقائي”: وهو نظام يحل فيه الخوف والغموض والإنفاذ الانتقائي محل القواعد الرسمية. لقد انخفضت حركة المرور من حوالي 138 سفينة يومياً إلى عدد قليل فحسب، ومع ذلك لم يُغلق المضيق رسمياً. وبدلاً من ذلك، استحدثت إيران ممر عبور شبه رسمي بالقرب من جزيرة لاراك، تحت العين الساهرة للحرس الثوري الإيراني. ويُسمح للسفن التي تُعتبر “مقبولة” ــ وغالباً ما تكون مرتبطة بدول تحتفظ بعلاقات عمل مع طهران ــ بالمرور، بينما تبتعد السفن الأخرى خوفاً من الطائرات المسيرة والصواريخ وأقساط التأمين التي ارتفعت إلى عنان السماء. والنتيجة هي منطقة رمادية بحرية، حيث تبحر العديد من السفن بوضعية “شبه متخفية” عبر إيقاف أجهزة التتبع. وتظل الصفقات بين شركات الشحن والسلطات الإيرانية غامضة، مما يخلق نظاماً يحاكي تكتيكات الحوثيين في اليمن في البحر الأحمر، ولكن بنطاق أوسع وتطور أكبر. والأهم من ذلك، أن هذا “الواقع الجديد” قد بدأ يستقر بالفعل؛ فالسفن المرتبطة بالصين والهند وباكستان وبنغلاديش، لا سيما تلك التي تحمل سلعاً زراعية، تمر بأمان، وحتى سفن الحاويات الضخمة التابعة لمشغلين كبار تدعمهم الدولة بدأت في اختبار المسار. وبالنسبة لإيران، فإن هذا الترتيب مربح بشكل يدعو للسخرية، حيث تستمر صادراتها النفطية دون انقطاع تقريباً، ومع ارتفاع الأسعار العالمية، قفزت الإيرادات. والنتيجة هي أن طهران تجني الأموال بينما تمارس سيطرة أكبر. هذا السيناريو القائم على مبدأ “الكل رابح” ليس سلاماً، بل هو “عدم استقرار مُدار”، وقد يستمر طويلاً.

النتيجة الثانية تبني على الأولى: حيث تضفي إيران طابعاً رسمياً على قبضتها وتحولها إلى تدفق دائم للإيرادات، ومن ثم “تسييل” سيطرتها. لقد طرحت طهران الفكرة بالفعل، وتحدث المسؤولون عن “رسوم عبور”، وذُكرت أرقام تصل إلى مليوني دولار لكل سفينة، رغم أن الأدلة على المدفوعات الفعلية لا تزال ضئيلة. وبحسب ما ورد، وافق البرلمان الإيراني على خطط لمأسسة هذه الرسوم، وربما بالتعاون مع دول الخليج المجاورة. المنطق هنا بسيط؛ فإذا كانت مصر قادرة على توليد مئات الملايين من الدولارات شهرياً من قناة السويس، فلماذا لا تتربح إيران من أحد أكثر الممرات المائية حيوية للطاقة في العالم؟ ومع ذلك، فإن التبعات القانونية والسياسية لهذه الخطوة متفجرة؛ ففرض رسوم على المرور عبر ممر مائي دولي سيشكل على الأرجح انتهاكاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. والأهم من ذلك، أنه سيرسي سابقة مفادها أن السيطرة ــ وليس القانون ــ هي التي تحدد الوصول إلى طرق التجارة العالمية. وسيكون الرد الجيوسياسي سريعاً؛ إذ أشارت الولايات المتحدة، عبر شخصيات مثل ماركو روبيو، بالفعل إلى أن مثل هذه الخطوة ستكون “غير مقبولة” وخطيرة. لكن دونالد ترامب قال مراراً إن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تكون المسؤولة الأولى عن تأمين المضيق أو إعادة فتحه، بل يجب على الدول التي تعتمد بشكل أكبر على النفط أن تأخذ زمام المبادرة. وبحسب ما ورد، استكشفت المناقشات الإقليمية إمكانية تشكيل كونسورتيوم متعدد الجنسيات يضم باكستان ومصر وتركيا والمملكة العربية السعودية لإدارة التدفقات وربما تقاسم الإيرادات. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا يمثل مخرجاً دبلوماسياً أم شرعنة لموقف إيران. وإذا تم تنفيذ نموذج “بوابة الرسوم” هذا، فقد يتحول هرمز إلى آلة نقدية لطهران، لكنه سيخاطر أيضاً بتحويل الأزمة إلى تصدع دائم في نظام التجارة العالمي.

السيناريو الثالث هو الأكثر دراماتيكية: جهد دولي منسق لإعادة فتح المضيق بالقوة، أو على الأقل من خلال تواجد عسكري مكثف. وخلافاً للتدخلات السابقة، لن يكون هذا بالضرورة بقيادة أمريكية، مما يعكس إعادة التقييم الاستراتيجي والإرهاق السياسي في واشنطن. بدأت دول مثل المملكة المتحدة، في ظل رئيس الوزراء كير ستارمر، في وضع نفسها في قلب جهود التخطيط. وأفادت التقارير أن رؤساء القوات البحرية من عشرات الدول اجتمعوا للنظر في كيفية عمل مثل هذه العملية. هذا النموذج ليس بدون سابقة؛ فخلال “حرب الناقلات” في الثمانينيات، قامت مرافقة بحرية بقيادة الولايات المتحدة بحماية السفن في الخليج. وفي الآونة الأخيرة، أظهر ممر الحبوب في البحر الأسود، الذي تم التوسط فيه تحت رعاية الأمم المتحدة، كيف يمكن للوصول البحري الهش والمتفاوض عليه أن يعمل حتى أثناء النزاعات النشطة. لكن إعادة فتح هرمز ستكون أكثر تعقيداً بكثير؛ فأي عملية ستتطلب على الأرجح: وقف إطلاق نار ولو مؤقتاً، وقبولاً إيرانياً صريحاً أو ضمنياً، وأصولاً بحرية وجوية كبيرة لردع الهجمات، وإجماعاً سياسياً بين القوى الكبرى. وفي غياب ذلك، فإن مهمة المرافقة تخاطر بالتصعيد بدلاً من الاستقرار. إن خطأً واحداً في الحسابات، أو ضربة طائرة مسيرة واحدة، أو سفينة واحدة تم تحديد هويتها بشكل خاطئ، يمكن أن يجر دولاً متعددة إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، إذا كان البديل هو نظام بحري مجزأ وشبه خارج عن القانون، فإن الضغط من أجل التدخل سيزداد.

الاحتمال الرابع هو الأبسط والأقل احتمالاً أيضاً: العودة إلى الوضع الراهن؛ حيث يُعاد فتح المضيق، وتتدفق السفن بحرية، وتستقر الأسواق. لطالما وُصف إغلاق مضيق هرمز، أو إغلاقه جزئياً، في الماضي بأنه “الخيار النووي” لإيران، أي الملاذ الأخير. وإذا كان ذلك صحيحاً، فإن استخدامه يشير إلى مستوى من الضغط أكبر بكثير مما تقر به الخطابات الرسمية. ويجادل المحللون بأن تصرفات إيران مدفوعة باليأس بقدر ما هي مدفوعة بالاستراتيجية؛ فاستمرار التحرش بالشحن يهدد باستثارة تدخل أمريكي متجدد ونفور دول الخليج التي قد تفضل خفض التصعيد. ومن هذا المنظور، قد تكون مطالب طهران القصوى ــ مثل مطالبات السيادة ورسوم العبور وتعويضات الحرب ــ مواقف تفاوضية وليست أهدافاً نهائية. وقد يكون الاتفاق الذي يحفظ ماء الوجه ويعيد الملاحة الطبيعية هو أفضل نتيجة واقعية للنظام. هذا، على الأقل، هو الرهان الذي يضعه بعض القادة، مثل دونالد ترامب، الذي أشار إلى أن اتفاقاً لإعادة فتح المضيق قد يأتي عاجلاً وليس آجلاً. ولكن حتى لو استؤنفت حركة المرور، فإن كلمة “طبيعي” لن تعني ما كانت تعنيه سابقاً؛ فتكاليف التأمين وتقييمات المخاطر والمواقف البحرية ستعكس جميعها ذكرى هذا الاضطراب. لقد كُسر الحاجز النفسي بشكل دائم.

عبر السيناريوهات الأربعة، تبرز نتيجة واحدة: الاضطراب باقٍ في المستقبل المنظور. وسواء عبر الحصار الانتقائي، أو تحويل العبور إلى مصدر دخل، أو الدوريات الدولية، أو السلام الهش، فإن عصر المرور السلس عبر هرمز قد انتهى، على الأقل في الوقت الراهن. وبدأت شركات الشحن والمؤمنون والحكومات بالفعل في التكيف مع عالم أصبحت فيه الممرات الضيقة موضع نزاع وليست أمراً مُسلماً به. وسيظل دور الحرس الثوري الإيراني محورياً، إذ حتى في سيناريوهات خفض التصعيد، من غير المرجح أن يتلاشى نفوذه على الأمن البحري بسرعة. وفي الوقت نفسه، قد تسفر الجهود الدبلوماسية في مؤسسات مثل المنظمة البحرية الدولية عن ممرات إنسانية أو اتفاقيات تقنية، لكن هذه إصلاحات تدريجية وليست حلولاً هيكلية. والدرس الأوسع غير مريح؛ فالعولمة تعتمد على ضمانات غير مرئية: ممرات بحرية آمنة، وقواعد يمكن التنبؤ بها، وجهات فاعلة منضبطة. وعندما تتآكل تلك الضمانات، لا ينهار النظام بين عشية وضحاها، بل يتشظى. وهرمز اليوم هي معاينة لذلك التشظي؛ مكان يتداخل فيه القانون والقوة والربح بطرق غير مستقرة.

لذا، هل ستبقي إيران المضيق مغلقاً؟ هل ستفرض رسوم عبور مربحة؟ هل ستسمح بالعودة إلى الشحن الطبيعي؟ أم ستجبر العالم على حشد تحالف بحري لإنهاء ما بدأه الأمريكيون؟ المرجح أن تكون الإجابة مزيجاً من الاحتمالات الأربعة معاً، تتطور بمرور الوقت. فقد يتحول “الواقع الجديد” إلى حرب منخفضة المستوى شبه دائمة، وقد تظهر “بوابة الرسوم” في شكل جزئي أو غير رسمي، وقد تحوم القوات الدولية على الأطراف لتشكيل السلوك دون حسمه بالضرورة. وقد تتخلل لحظات من الاستقرار الظاهري فترات أطول من التوتر. ما هو واضح أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر؛ بل أصبح الساحة المركزية التي ستُحسم فيها نتائج الحرب في إيران، ليس عسكرياً فحسب، بل اقتصادياً وسياسياً أيضاً.

وإلى أن ينجلي الغموض من ضباب الحرب، سيستمر العالم في الإبحار وسط بحر من عدم اليقين.

*جون دوبسون دبلوماسي بريطاني سابق، عمل أيضاً في مكتب رئيس الوزراء البريطاني جون ميجور بين عامي 1995 و1998. وهو حالياً زميل زائر في جامعة بليموث.

المصدر: ذا ساندي غارديان الصفحة (13)

 

The post أربعة سيناريوهات لمستقبل مضيق هرمز appeared first on يمن مونيتور.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows