Arab
جاء إقرار ما يسمى "الكنيست الإسرائيلي" قانوناً فاشيّاً يُشرع عقوبة الإعدام ضد الفلسطينيين، ليؤكد تحوّلات كبيرة وخطيرة في إسرائيل والولايات المتحدة، أكبر بكثير من مجرّد إقرار قانون قمعي عنصري جديد. ومن نافل القول إعادة التوضيح أن إقرار ذلك القانون مخالف للقوانين الدولية التي تنظم علاقة كيان الاحتلال بالشعب الذي تحت الاحتلال، بما فيها اتفاقية جنيف الرابعة. إذ ليس لإسرائيل صلاحية قانونية (Jurisdiction) لإقرار قوانين في الأراضي المحتلة. ولكن إسرائيل تخرق القوانين الدولية طوال الوقت منذ عام 1967، بل وصلت خروقاتها إلى حد ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزّة. فما الجديد الذي يمثله إقرار هذا القانون الجائر.
أولاً، إنه يمثل تشريعاً قانونيا لعمليات القتل بالاغتيال والإعدامات الميدانية التي تمارسها إسرائيل قبل إقرار القانون. وهناك تقديرات بأن جيش الاحتلال نفّذ ما يراوح بين ألف وألفي عملية اعدام ميداني في قطاع غزة منذ "7 أكتوبر" (2023)، بالإضافة إلى عدة حالات موثقة في القدس والضفة الغربية. وهو تشريع يقدّم تبريراً قانونياً لعمليات قتل الأسرى الفلسطينيين التي كانت تجري قبل إقرار القانون في سجون الاحتلال، وتجاوزت 323 حالة، بمن فيها 90 شهيداً منذ "7أكتوبر"، نتيجة التعذيب، والتجويع، والتنكيل بالضرب والقتل المباشر، والحرمان من العلاج الطبي، وظروف الاحتجاز القاسية. بالإضافة إلى الاشتباه بحالات تسميم معقدة لأسرى في أثناء اعتقالهم، وبعضهم توفوا بأعراض غريبة بعد الإفراج عنهم.
ثانياً، يمثل هذا القانون تأكيداً ليس فقط للتحوّل نحو الفاشية في المنظومة الإسرائيلية الحاكمة، بما في ذلك الحكومة والكنيست، بل على مستوى المجتمع الذي يؤيد 90% من أعضائه استمرار الحرب على إيران، وتؤيد غالبيته منع قيام دولة فلسطينية.
ليست ديمقراطية من تمارس الأبارتهايد، والاحتلال وجرائم الحرب والإبادة، ولا يمكن أن تكون ديمقراطية من تقرّ قانوناً جائراً كقانون الإعدام الجديد
ومن مؤشّرات مذهلة على مدى تعمق الفاشية أن ثلثي أعضاء الكنيست اليهود صوّتوا لصالحه، بمن فيهم قادة للمعارضة، وأن كثيرين منهم، رجالاً ونساءً بمن فيهم وزراء، ونائب رئيس الكنيست المتطرّفة وضعوا على صدورهم دبابيس تحمل صورة حبل المشنقة الذي سيستخدم لقتل الفلسطينيين. وبلغت الفاشية ذروتها، في حمل وزير الأمن الداخلي الفاشي بن غفير زجاجات الشمبانيا وقرعه مع نواب الكنيست الكؤوس احتفالاً بإقرار هذا القانون العنصري، وإطلاقه شعاره الفاشي "سننال منهم (أي الفلسطينيين) الواحد تلو الآخر". ويذكّر هذا المهرجان الاحتفالي بقانون قتل الفلسطينيين باحتفالات النازيين المجرمين الألمان بقتل اليهود، وغيرهم.
أما البيان الذي أصدرته الإدارة الأميركية وباركت فيه عملياً إقرار هذا القانون الإسرائيلي الجائر، بادّعائها أن لإسرائيل الحق بوصفها كياناً ذا سيادة في إصدار ما يريد من القوانين، متجاهلة مخالفة القانون القانون الدولي، فكان دليلاً على أن تفشّي الفاشية لا يقتصر على إسرائيل. وجاءت تصريحات وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، أن الولايات المتحدة لا تعير اهتماماً للقانون الدولي، ولا لقوانين الحرب المتعارف عليها، وتهديدات الرئيس الأميركي ترامب ووزير دفاعه بإعادة إيران إلى العصر الحجري وقصف المنشآت المدنية، لتشير ليس فقط إلى نية الانضمام إلى إسرائيل في ارتكاب جرائم الحرب والإبادة، بل إلى تصاعد النبرة الفاشية داخل الولايات المتحدة نفسها. ويكتسب الأمر جدّية بالغة، عندما يقيل الوزير هيغسيث رئيس أركان الجيش الأميركي وعشرة جنرالات آخرين، ويقيل الرئيس المدّعية العامة، بام بوندي، لأنه يستفز المخاوف باحتمال القيام بانقلاب على النظام السياسي الأميركي، قبل (أو خلال) الانتخابات النصفية التي ستطيح على الأغلب الأغلبية الجمهورية في الكونغرس... والرابط، بين إقرار قانون الإعدام الإسرائيلي وتأييده، والشراكة في الحروب مع إسرائيل، وارتكاب جرائم الحرب، وكل مسرحية الإسفاف والاستخفاف بالقانون الدولي، وقواعد اللياقة والآداب في العلاقات الدبلوماسية، شيء واحد، الاستخفاف الفاشي النرجسي بالقيم، والقوانين، والقواعد وسيادة الدول الأخرى وحصانتها.
ثالثاً، مثل قانون الإعدام الفاشي تعميقاً وتعرية لمنظومة الأبارتهايد العنصرية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني. فالقانون يطبق على الفلسطينيين فقط، وهو أمر لم يتجرأ على فعله نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا في أسوأ أيامه. إذا اتهم فلسطيني بقتل إسرائيلي يُعدم، ولا يحق له استئناف حكم الإعدام، وإذا قَتل يهودي إسرائيلي فلسطينياً فلا ينطبق عليه هذا القانون.
ليست منظومة الأبارتهايد جديدة، ولكن قانون الإعدام فضحها بالكامل، وذكّر العالم بأن 99% من حالات الاتهام للفلسطينيين في المحاكم العسكرية الإسرائيلية تنتهي بالإدانة. وفي حالات الاتهام للإسرائيليين، ولو كانت حالات قتل موثقة بالصوت والصورة، فإن ثمانية حالات فقط من كل عشرة آلاف حالة تنتهي بالإدانة. ولعل القانون يُذكر العالم بأن تعريف الأبارتهايد هو بالضبط ما تطبقه إسرائيل، قانون عسكري للفلسطينيين وقانون مدني مختلف للإسرائيليين على الأرض نفسها.
رابعاً، جاء ذلك القانون ليجسّد مرّة أخرى المؤكّد، أن إسرائيل ليست كياناً ديمقراطياً، وهذا ما اضطرّ حتى بيرس مورغان، الذي كان معروفاً سابقاً بانحيازه إلى إسرائيل، للاعتراف به في أثناء مقابلة لي معه في الأسبوع الماضي.
ليس أمام الشعب الفلسطيني إلا طريق واحد، مقاومة الظلم، والنضال والكفاح من أجل الحرية
ليست ديمقراطية من تمارس الأبارتهايد، والاحتلال وجرائم الحرب والإبادة، ولا يمكن أن تكون ديمقراطية من تقرّ قانوناً جائراً كقانون الإعدام الجديد. تلك حقيقة، ولكن هل تقرّ بها معظم الحكومات الغربية التي اكتفت ببيانات الإدانة والاستنكار التي لا تعني شيئاً لإسرائيل، والتي ترفض التخلي عن ازدواجية المعايير عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، وترفض أن تستعمل الأداة الوحيدة التي يمكن أن تؤثر في إسرائيل، المقاطعة والعقوبات؟
خامساً، هذا قانون فاشل إن كان غرضه، كما يدّعي حكام إسرائيل وبعض قادة أحزاب المعارضة، ردع النضال الوطني الفلسطيني. ومن دون شك، الجهل والغباء هما المزيج الراسخ في عقول من يكرّرون ذلك التبرير. في 17 يونيو/ حزيران عام 1930 أقدم الاستعمار البريطاني على إعدام ثلاثة مناضلين فلسطينيين أصبحوا رموزاً للنضال الفلسطيني، محمد جمجوم، وفؤاد حجازي، وعطا الزير لاتهامهم بالمشاركة في ثورة البراق، لم يردع ذلك الفعل النضال الفلسطيني، بل أذكى جذوته حتى رأينا فلسطين تشهد واحدة من أعظم ثوراتها عام 1936.
الرسالة التي أرسلها قانون الإعدام إلى الشعب الفلسطيني ومناضليه تأكيد مجدّد، أن ليس لدى الحركة الصهيونية ومنظومتها الحاكمة أي مجال لحل وسط مع الفلسطينيين، ولا مجال في عقليتها لاتفاقيات سلام أو مفاوضات، أو لمحاكمات عادلة، أو لتعايش سلمي... الرسالة: لا تفهم هذه المنظومة إلا لغة القوة، وليس أمام الشعب الفلسطيني إلا طريق واحد، مقاومة الظلم، والنضال والكفاح من أجل الحرية. ومن أجل الخلاص من الاحتلال وقوانينه الفاشية، وكل منظومة الاستعمار الصهيوني الإحلالي الجائرة.

Related News
4 شهداء في قصف إسرائيلي شرقي مدينة غزة
alaraby ALjadeed
24 minutes ago
حرب إيران تدفع نشاط القطاع الخاص السعودي إلى التراجع
aawsat
33 minutes ago