القيادة النقابية في تونس تختار الإصلاح
Arab
6 hours ago
share
انتهى مؤتمر الاتحاد التونسي العام للشغل بأقل الأضرار، بعد استبعاد السيناريو الأسوأ. لم ينقسم الاتحاد، ولم ينتحر، رغم الضعف الشديد الذي أصابه، وجعله يقترب من خط الانهيار. مع ذلك لجأ بعضهم إلى ترويج إشاعة مغرضة، أن القيادة الجديدة يهيمن عليها "الإسلام السياسي". ويعلم هؤلاء جيداً أن الواقع مخالفٌ ما يدّعون، وأن الغرض من قولهم هذا إثارة المخاوف والشكوك في صفوف النقابيين، وتحريض السلطة ضد المكتب التنفيذي المنتخب. وبالتالي، إنّ من يريد إغراق كلبه عليه أن يتهمه بداء الكلب، كما ورد في المثل الفرنسي! ليست هذه المرّة الأولى التي يُلجأ فيها إلى هذه الحيلة المسمومة لتحريف المشهد العام، وتحويل الخلاف السياسي إلى معركة بين التيارات الحزبية والأيديولوجية. لقد استُعمل هذا الأسلوب في مناسباتٍ سابقة، إذ كلما توفّرت فرصة لمعالجة أحد الملفات الشائكة، هناك من يُقدم على افتعال قضية حدث ما من أجل تعفين الحالة السياسية والاجتماعية التي قد يُستفاد منها لاسترجاع بعض المواقع داخل إحدى المنظمات أو المؤسّسات. فهذه الأطراف لا تريد مناخاً سليماً محكوماً بقواعد متفق عليها لإدارة الشأن العام، بقدر ما تسعى للمناورة وتزييف الوقائع، من أجل تشتيت الخصوم، واعتماد أسلوب الضرب من تحت الحزام، حتى لو تطلب الأمر هدم البناء وسجن المخالفين وتهجيرهم. ليس صحيحاً أن المنظّمة النقابية مهدّدة بغزو "نهضاوي" وشيك، فالجميع يعلمون إن الإسلاميين يمرون بأزمة هيكلية معقدة نتيجة أسباب عديدة، وفي مقدمتها الهرسلة الأمنية والقضائية التي يتعرّضون لها منذ أربع سنوات على الأقل، وكل ما يأملون فيه مثل غيرهم من تيارات المعارضة، أن يستعيد الاتحاد قدراً من حيويته واستقلاليته، ما قد يسمح بتخفيف الضغط عليهم، وقد يؤدي إلى رفع سقف الحريات وعودة التوازن بين السلطة والمجتمع المدني. ما يثير الاستغراب أن هناك من يفكّر بهذه الطريقة المعوجة في مرحلة خطيرة يمر بها العالم حالياً، والتي قد تقلب الأوضاع رأساً على عقب في تونس وفي غيرها، فالحرب على إيران ليست حدثاً عابراً، بقدر ما تمثل تغييراً جوهرياً في النظام الدولي وفي المفاهيم والاختيارات والسياسات التي ستحكم علاقات الدول ببعضها. وبالتالي، يصح القول في هؤلاء إنهم أشبه بمن تعمّدوا إرباك أصحاب بيتٍ تلتهمه النيران بحجة البحث عن حذاء قديم! وبدل أن يساهموا في تحصين البيت، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، يلجأون إلى إثارة الإشاعات ونسج التحالفات الحزبية الضيقة. تونس في حاجة إلى نخبة تتسامى على الصغائر، وتنظر إلى بعيد، وتهيئ نفسها لمرحلة مختلفة. وبما أن جزءاً مهماً من هذه النخبة تعلن رفضها الحكم الفردي، عليها في المقابل التخلص من وهم احتكار الحقيقة، وادّعاء العصمة. فهذا البلد الصغير لا يمكن أن يحكم بالإقصاء والحقد والانتهازية. الجميع مدعوون إلى المكاشفة والاعتذار عما فعلوه في المراحل الماضية، وأن يسارعوا نحو تنقية السياسة من شهوات الحقد والثأر. وعليهم مساعدة القيادة النقابية الجديدة التي وجهت رسائل إيجابية نحو جميع الأطراف، فوقف العمل بالمنحة الخاصّة بأعضاء المكتب التنفيذي، وتخلّي الأمين العام عن السيارة الموضوعة على ذمته والإذن ببيعها لفائدة الموارد المالية للمُنظّمة، وتشكيل لجنة تضم خبراء من أجل وضع خطة للتصرّف في مالية "الاتحاد"، قرارات تكمن أهميتها في بعدها الرمزي، وتوحي بأن مرحلة الامتيازات قد انتهت، وأن يظل الاتحاد "إطاراً نضاليّاً فاعلاً في الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والمدنية، وخصوصاً في ظل ما تمر به البلاد من صعوبات اقتصادية واجتماعية متفاقمة". ساعدوا قيادة الاتحاد على تنفيذ ما ورد في بيانها الذي أكد أن المرحلة المقبلة "تستوجب الانطلاق في إصلاحات عميقة تقوم على الشفافية في التصرّف، وتحسين الحوكمة، وترسيخ الديمقراطية الداخلية، وضمان استمرارية المنظمة واستقلاليتها"، وأن يبقى الاتحاد "فضاءً جامعًا للنقابيين وقوة اقتراح ودفاع عن الحقوق والحريات". هذا هو السبيل الوحيد لتحقيق المناعة للاتحاد ولكل منظمات المجتمع المدني.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows