الرشادبرس_مقالات
بقلم-د. عبد الناصر الخطري
سلكتُ في حياتي طرقاً متعددة، لم أكن فيها متفرجاً، بل خضتُها تجربةً كاملة:
تعلمتُ وعلّمت، وأدرتُ العمل الخيري وسعيتُ فيه، وخضتُ العمل الإداري بين الخاص والحكومي، واقتربتُ من السياسة، ومارستُ التجارة والعمل الحر.
لم تكن تلك مراحل عابرة، بل محطات تركت أثرها، وكشفت لي – مع الوقت – ما الذي يبقى، وما الذي يستهلك.
وجدتُ أن العلم هو الطريق الأصدق أثراً؛
يبنيك من الداخل، ويمنحك قيمة لا ترتبط بظرف ولا منصب، وكلما أعطيتَ فيه ازددت.
وفي العمل الخيري، لمستُ جانباً آخر
شيئًا يرقّ له القلب، ويعيد ترتيب الإنسان من الداخل، بعيداً عن ضجيج الحسابات.
أما السياسة، فكانت تجربة مختلفة؛
تعلمتُ منها كثيراً، لكنها أبعدتني عن السكينة التي أبحث عنها. فيها من التعقيد والضغط والتشابك ما يجعل الإنسان دائم الحذر.
وفي الإدارة، أدركتُ حجم الاستنزاف الذي قد لا يظهر في البداية؛ عمل مستمر، ومسؤوليات لا تنتهي، ووقت يمضي سريعاً دون أن تشعر.
أما التجارة، فوجدتُ فيها بركة النماء؛
مساحة أوسع، ونتائج أوضح، وقدرة على البناء إذا أُحسن إدارتها.
ومن فضل الله عليّ وتوفيقه أني لم أفشل في مجال سلكته، بل كنت – بحسب وصف الآخرين – ناجحاً ومتميزاً، ومع ذلك .
لو قُدّر لي أن أبدأ من جديد، لاخترتُ أن أجعل العلم طريقي الأول، وأجمع إليه التجارة، وأجعل مما أملك نصيباً ثابتاً للخير.
ليست ندماً على ما مضى، بل فهم لما ينبغي أن يُقدّم، وما يمكن أن يُؤخر.
وهذه النتيجة لا تصلح لكل أحد؛ فكلٌّ ميسّر لما خُلق له، وقد يناسب هذا ما لا يناسب ذاك.
والموفق من عرف نفسه مبكراً، ووضعها في الطريق الذي يليق بها، ثم مضى فيه بثبات.