Arab
تكثر في السنوات الأخيرة، الأدبيات المُهتمّة بتحليل أسباب صعود تيّار مُفرط في الذكورية يتّهم النسوية بأنّها المسؤولة عن تدهور مكانة الرجال وبروز "أزمة الذكورة"، وهي أزمة لا يمكن أن يتم تجاوزها، حسب أنصار هذا التيّار، إلا من خلال تعزيز القيم والصفات الذكورية كالقوّة والقدرة على التنافس، والسيطرة، والعدوانية وضبط الانفعالات وكبت المشاعر، وغيرها. وليس التمسّك بهذه الصفات والقيم إلّا استراتيجية لترسيخ علاقات القوّة والتراتبية الهرمية الضامنة لامتيازات الرجال، حيث يتسنّى للرجال أن يكونوا في موقع التفوّق بينما تكون النساء في موقع الاستسلام والخضوع، وبذلك يستتب الأمن وينتشي الرجال.
يتضاعف أنصار هذا التيّار يوماً بعد آخر، لا سيما وأنّ الخطابات الداعمة للذكورية "الهركولية" وتفوّق العرق الأبيض تُدغدغ أحلام من يتوقون إلى ممارسة الهيمنة، وتُحرّك هواماتهم. وتتسلّل هذه الآراء والتصوّرات إلى المجالين: السياسي والإعلامي، على وجه الخصوص. يكفي أن نتذكّر تصريح إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم، في اليوم التالي لحفل أداء اليمين الرئاسي: ها قد ''عادت الرجولة"، وادّعاء المدير التنفيذي لشركة ميتا، مارك زوكربيرغ، أنّ الشركات الخاصّة قد "فُتنت"، مُقترحاً إعادة تفعيل "الطاقة الذكورية"، المرتبطة بـ"القدرة التنافسية والعدوانية".
وعلى هذا الأساس لاقت خطابات دونالد ترامب وتصريحاته الإعلامية استحساناً لدى الحالمين باسترجاع أبهة ''الذكورة المهيمنة". فكلّما أهان النساء وأصحاب الهُويّات اللانمطية ازداد هؤلاء إعجاباً بهذا القائد الذي يقدّم نفسه على أنّه الذكر المُهيمن الذي سيُركّع زعماء العالم لإرادته ويجعلهم في خدمة مشروع عودة الإمبراطورية الاستعمارية، ويسلبهم ثرواتهم ويتحكّم في بلدانهم.
تُفصح هذه الخطابات عن تراتبية داخل عالم الرجال، إذ ثمّة فرز داخل مجموعة الرجال البيض على أساس: القوة/الضعف، الغنى/الفقر، الهيمنة/الخضوع... من جانب، وبينهم وبين الرجال الملوّنين والسود من جانب آخر، وهناك تمييز بين "الرجولة المتفوّقة بعرقها الأبيض" و''الرجولة العربية/الإسلامية'/الأفريقية..." التي لا ترقى إلى مستوى النديّة، إلى غير ذلك من التصنيفات التي تكرّس سياسات التمييز والعنصرية وغيرها. ولا عجب في ذلك ما دامت الحكومة، التي يقودها في الغالب، رجال مؤازرون لهذا التوجّه، تدير الثروات الضخمة والشركات الخاصّة، بما في ذلك التكتلات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي الرئيسية.
لا تستهدف ''الذكورة المهيمنة" الرجال الذين لا يتماهون مع توقّعاتها فحسب، بل ثمّة تضامن ذكوري يجعل الاعتداء الجنسي مجرّد لعبة يتسلّى بها الرجال
لا تستهدف ''الذكورة المهيمنة" الرجال الذين لا يتماهون مع توقّعاتها فحسب، بل ثمّة تضامن ذكوري يجعل الاعتداء الجنسي مجرّد لعبة يتسلّى بها الرجال، وهو في حالات أخرى تأديب للنساء "المتطاولات'' على الأسياد، وبخاصّة بعد ظهور حركة ''Me too" التي لم تتوان عن فضح رجال ظلّوا لتاريخ قريب مُستمتعين بالإفلات من العقاب. وبالإضافة إلى ما سبق يُعدّ العنف المبني على النوع الاجتماعي، في نظر أصحاب تيّار الذكورية الباطشة بالآخرين، منهجاً تربوياً. فأن تُظهر كراهية النساء وأصحاب الهُويّات اللامعيارية، وتُعاديهم وتنتهك حقوقهم وتُعنّف الرجال الضعفاء المُناصرين للنساء هو دليل على أنك رجل "حقيقي"، مُلتزم بمقاومة النسوية التي باتت تهدّد الرجال.
إنّ هذه الخطابات السياسية القائمة على عرض الذات والتفوّق العرقي والمادي والعلمي... تفصح عن تمركز على الذات المُتعالية التي لا تتورّع عن ترهيب الآخرين والسخرية من سلوكهم ومواقفهم والاستنقاص من حضارتهم ودينهم ولا تتوانى عن الاستثمار في خطاب الكراهية ومدح العسكرة، بل إنّها تحرّك الأهواء: الرغبة في الانتقام، الغضب، السخط... وهكذا تتقاطع السياسات العنصرية والاستعمارية الجديدة مع السياسات الذكورية والمعادية للنساء لتغذي مشاعر الكره والخوف وتُزّيف الوعي، وتتلاعب بالوقائع والأخبار، وتبرّر ممارسة كلّ أشكال العنف.
إنّ هذه الخطابات التي تنهل من معين الأيديولوجيا الذكورية، المُعادية للمرأة، والمُناهضة للنسوية، وللسود، وللمهاجرين، والمسلمين وغيرهم باتت متأصّلة في القوى السياسية والاجتماعية والثقافية اليمينية المُتطرّفة، التي تزداد نفوذاً، وتشارك شخصيات عديدة كجايير بولسونارو وفيكتور أوربان ودونالد ترامب... في الترويج لها. ولذا ينكبّ المنظرون/المنظرات والناشطون/ات على تفكيكها والتصدّي لها والتحذير من النتائج المُترتّبة عنها.