Arab
يقضي الصياد الفلسطيني عنان بكر (46 عاماً)، أيامه في أحد أركان مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين، غربي مدينة غزة، بين ألمٍ جسدي متصاعد وقلقٍ دائم من مستقبلٍ بات أكثر غموضاً من أي وقت مضى بفعل عجزه عن الحصول على حقه في العلاج. لم يكن الرجل الذي اعتاد الاستيقاظ قبل الفجر ليقصد البحر بحثاً عن رزقٍ يعيل به أسرته، يتخيل أن يتحول فجأة من صيادٍ يجوب البحر بنشاط إلى مريضٍ يصارع أوراماً سرطانية أنهكت جسده وأرهقت روحه.
بدأت معاناة عنان مع المرض قبل أشهر من بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، حين ظهرت عليه أعراض صحية معقدة قادته إلى سلسلة من الفحوصات التي كشفت عن وجود أورام في الغدة النخامية.
يوضح بكر لـ"العربي الجديد" أنه خضع على أثر تلك الفحوصات وما نتج عنها إلى عملية جراحية دقيقة، علّه يستعيد جزءاً من عافيته، إلا أن العملية لم تحقق النتائج المرجوة، لتتفاقم حالته الصحية بشكل أكبر، ومع تراجع الخيارات العلاجية داخل القطاع، وسط انهيار المنظومة الصحية، أوصى الأطباء بضرورة تحويله للعلاج في الخارج، حيث تتوفر الإمكانيات الطبية اللازمة لمتابعة حالته وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ويلفت بكر إلى أن هذه التوصية بقيت حبراً على ورق، في ظل الإغلاق التام للمعابر منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وما تبعه من فتحٍ محدود ومؤقت لم يلبث أن أُغلق مجدداً بفعل التطورات العسكرية الأخيرة المرتبطة بالحرب الإسرائيلية على إيران. هذا الواقع حرمه، كآلاف المرضى الآخرين، من فرصة السفر لتلقي العلاج، أو حتى استكمال بروتوكولاتهم العلاجية التي بدأت قبل الحرب.
ويقول بكر بصوت مثقل بالتعب: "كل يوم بمرّ عليّ كأنه سنة، الوجع يزداد، وأنا عاجز عن القيام بأي شيء، لا علاج ولا حتى التحرك بحرية"، كلماته تختصر حجم العجز الذي يعيشه، ليس فقط على الصعيد الصحي، بل أيضاً على المستوى الإنساني والمعيشي، ويوضح أنه قبل المرض كان يعمل صياداً يعتمد على ما يجود به البحر لتأمين قوت يومه لأسرته المكونة من خمسة أفراد، اليوم لم يعد قادراً على العمل بعدما أرهقه المرض، ليجد نفسه أمام واقعٍ قاسٍ لا يملك فيه أي مصدر دخل، باستثناء بعض المحاولات الفردية البسيطة، ومع الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية، بات تأمين الطعام والدواء تحدياً يومياً يفوق قدرته.
لم تتوقف معاناة عنان بكر عند هذا الحد، إذ اضطر في ظل فقدان منزله أو عدم صلاحيته للسكن، إلى اللجوء مع عائلته إلى مخزن مدمر ومهجور، هناك يعيش في ظروفٍ تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، من انعدام الخصوصية، إلى غياب التهوية الجيدة، وصولاً إلى بيئة غير صحية لا تتناسب إطلاقاً مع حالته المرضية، بل تشكل خطراً إضافياً على حياته.
زوجته، التي تحاول التماسك أمام أطفالها، تقول إن أكبر مخاوفها ليس فقط تدهور حالته الصحية، بل أن تفقده في أي لحظة دون أن يتمكن من تلقي العلاج المناسب، وتضيف: "نحن لا نطلب سوى فرصة علاج، وأن يحصل زوجي على حقه الطبيعي في متابعة حالته الصحية، وضمان زوال الخطر عنه".
قصة عنان ليست استثناءً، بل نموذجاً متكرراً لمعاناة آلاف المرضى في قطاع غزة، الذين يقفون على حافة الحياة، بانتظار قرارٍ قد يفتح لهم باب النجاة، أو يتركهم لمصيرٍ مجهول، وبين المرض والحصار والفقر، تتداخل الأزمات لتجعل من رحلة العلاج حلماً مؤجلاً، وربما مستحيلاً في ظل استمرار إغلاق المعابر وتعقيد المشهد الإنساني في القطاع.

Related News
هل تساعد مكملات زيت السمك في دعم صحة القلب والمفاصل؟
aawsat
15 minutes ago
قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة
aawsat
17 minutes ago