Arab
تشهد محافظة السويداء جنوبي سورية أزمة مياه متصاعدة، وسط اعتماد شبه كامل على الآبار الجوفية التي تتطلّب تغذية مستقرّة بالكهرباء لضمان استمرارية الضخّ. وانقطاع الكهرباء لساعات طويلة والنقص في المحروقات جعلا السكان يعتمدون على صهاريج خاصة لقاء أسعار مرتفعة، الأمر الذي زاد من معاناة هؤلاء في ظلّ ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة. وقد انعكس هذا النقص على حياة السكان اليومية، من تأمين مياه الشرب والطهي ومياه الخدمة، فيما تصعب عملية تلبية احتياجات الأطفال والمرضى، الأمر الذي يجعل الأزمة قضية حيوية تمسّ كلّ القرى والمدن في المحافظة.
يقول فؤاد الجباعي من سكان مدينة شهبا في محافظة السويداء لـ"العربي الجديد": "الوضع مع المياه صعب جداً. نحن نعتمد على الآبار الجوفية، وهذه الآبار تحتاج إلى كهرباء ثابتة من أجل تشغيلها، غير أنّ التيار ينقطع لساعات طويلة، ومع كلّ تقنين يتوقّف الضخّ بالكامل. لذلك نضطر إلى الاعتماد على حلول مؤقتة، من قبيل تشغيل عدد من الآبار عبر مولدات خاصة لساعات قليلة، أو بواسطة ألواح الطاقة الشمسية المتوفّرة في عدد من المواقع، لكنّ هذه الحلول لا تكفي لتغطية احتياجاتنا اليومية من المياه".
يضيف الجباعي أنّ المشكة تزيد في فصل الشتاء، خلال الأيام الممطرة أو مع كثرة الغيوم، إذ لا توفّر الألواح الشمسية الطاقة بالكميات نفسها. ويتابع: "بصراحة، يشعر الناس بعجز المنظومة عن تلبية احتياجاتهم، خصوصاً في العائلات الكبيرة أو تلك التي تضمّ أفراداً مرضى في حاجة إلى مياه دائماً".
من جهتها، تقول منى أبو عمار من قرية الدور في محافظة السويداء لـ"العربي الجديد" إنّ "الوضع مع المياه يزداد صعوبةً بالنسبة إلينا. أحياناً، نضطر إلى شراء كميات من المياه من الصهاريج، خصوصاً عندما تتوقّف المضخات بسبب انقطاع الكهرباء، مع العلم أنّ الأسعار ارتفعت كثيراً؛ نحو ثلاثة أضعاف". تضيف: "حتى لو حاولنا التوفير، لا نستطيع تغطية كلّ احتياجات البيت، مع العلم أنّ هذه الأزمة أثّرت على كلّ شيء؛ من الطبخ إلى النظافة وحتى مياه شرب الأطفال". وتشير إلى أنّ "في بعض المرّات، ننتظر الصهاريج لساعات طويلة"، مبيّنةً أنّ "الوضع غير مستقر، ونأمل جميعاً بحلّ سريع".
في هذا الإطار، أشارت إدارة المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في السويداء، على صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك، أنّ التأخير في توزيع أدوار المياه يعود إلى خروج المحطات والآبار عن الخدمة نتيجة تعطّل الكهرباء لأيام عدّة، مشيرةً إلى أنّ سدّ الروم ما زال خارج الخدمة وأنّ كميات المياه المتوفّرة فيه لا تكفي لتلبية الاحتياجات. أضافت أنّ آبار قرية الثعلة ومحطاتها المتوقفة أدّت دوراً كبيراً في عدم استقرار الوارد المائي. وأوضحت مؤسسة المياه في السويداء أنّه في محاولة للتخفيف من حدّة الأزمة، أُرسلت قافلة مؤلّفة من 12 صهريج مياه إلى المرافق الحيوية في مدينة شهبا وعدد من الأحياء والخزّانات المغذية، ووُزّعت مياهها على المراكز العامة ومراكز الاستضافة تحت إشراف وحدة مياه شهبا، على أمل عودة التيار الكهربائي واستئناف عمل المحطات والآبار في أقرب وقت ممكن.
في سياق متصل، يوضح المسؤول الإعلامي في مؤسسة مياه السويداء خالد أبو فخر لـ"العربي الجديد" أنّ الوضع التشغيلي للمنظومة المائية "صعب جداً"، مشيراً إلى أنّ "الاعتماد الكبير على الآبار الجوفية يجعل استمرارية التزوّد بالمياه مرتبطة مباشرةً بتوفّر الكهرباء". يضيف أبو فخر أنّ "الانقطاع الطويل في التيار الكهربائي يؤدّي إلى توقّف متكرّر في عمليات الضخّ، الأمر الذي ينعكس سلباً على حياة السكان اليومية، في ظلّ محدودية البدائل المتاحة"، ويؤكد أنّ "آباراً عدّة تُشغَّل عبر مولدات الديزل ولساعات محدودة، بالإضافة إلى استخدام الطاقة الشمسية في عدد من المواقع، في حلول جزئية".
وعن أبرز الصعوبات التي تواجه قطاع المياه، يلفت أبو فخر إلى "النقص الحاد في المحروقات اللازمة لتشغيل الآبار، إذ يبلغ الاحتياج اليومي نحو 19 ألف لتر، في ظلّ شحّ الكميات المتاحة، بالإضافة إلى نقص قطع الصيانة اللازمة لإصلاح الأعطال، الأمر الذي يعيق الحفاظ على استقرار الشبكة".
ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن مؤسسة المياه في السويداء، بلغ عدد الآبار العاملة في الوقت الراهن 26 بئراً من أصل 53 بئراً كانت تغذّي المحافظة، فيما يمثّل خروج آبار الثعلة عن الخدمة بعد حوادث يوليو/تموز 2025 ضربة كبيرة، نظراً إلى أنّها كانت تؤمّن نحو 70% من مياه الشرب، بقدرة ضخّ تصل إلى عشرة آلاف متر مكعّب يومياً.
وتتضمّن جهود تحسين واقع المياه في السويداء خطة حكومية شاملة لإعادة تأهيل الآبار المتضرّرة ورفع كفاءتها الإنتاجية، بهدف ضمان عودتها إلى العمل بكامل طاقتها وتلبية احتياجات الأهالي. وفي إطار دعم هذه الجهود، قدّم برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة بالتعاون مع جمعية الهلال الأحمر العربي السوري مولداً كهربائياً بقدرة 600 كيلوفولت أمبير لمؤسسة المياه في أواخر العام الماضي، من أجل دعم تشغيل محطات الضخّ، غير أنّ استمرار عملها يبقى مرتبطاً بتأمين الوقود بصورة منتظمة. كذلك أسهمت جمعية الهلال الأحمر بتوزيع عدد من خزانات المياه لتخفيف الأعباء عن الأهالي.
وبرزت كذلك مساهمة المجتمع المحلي في التخفيف من أزمة المياه، من خلال مشاريع تعتمد على الطاقة الشمسية لتشغيل الآبار. في هذا الإطار، ركّبت جمعية "سند الخيرية" 315 لوحاً شمسياً لتشغيل محطة الضخّ الرابعة، ما يضمن توفير المياه لأحياء الاستقلال والجلاء والقلعة، فيما نفّذت جمعية "مدد للإغاثة والتنمية" مبادرة "سبيل" التي شملت توزيع 35 خزاناً مائياً وتركيب أنظمة طاقة شمسية في بلدات عدّة من قبيل الجنينة وسهوة الخضر والمجيمر وامتان، إلى جانب مشروعها الأكبر "شمس ومي" لمحطة "ألفا" في بئر قرية الجنينة التي تغذّي ثلاث قرى وتستفيد منها القرى المحيطة.
وعلى الرغم من هذه المبادرات وما شابهها، يبقى التحدّي الأكبر غياب حلول مستدامة لتشغيل الآبار بطريقة ثابتة وضمان توزيع عادل للمياه. فمع استمرار أزمة الكهرباء ونقص الوقود، سوف تظلّ تكلفة المياه الباهظة عبئاً إضافياً على الأهالي، في ظلّ ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة في الأساس، الأمر الذي يجعل حياة السكان اليومية مرتبطة بالحلول المؤقتة، سواء عبر الصهاريج أو مشاريع الطاقة الشمسية الجزئية.

Related News
هل تساعد مكملات زيت السمك في دعم صحة القلب والمفاصل؟
aawsat
15 minutes ago
قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة
aawsat
17 minutes ago