بوصلة طهران المضلِّلة: ازدواجية الشعارات ووقائع النفوذ
Party
1 hour ago
share

بقلم /صالح يوسف
في مشهد شرق أوسطي يزداد تعقيداً، لم تعد إيران مجرد لاعب يتقن “إدارة التناقضات”، بل أصبحت نموذجاً صارخاً لازدواجية سياسية تُتقن توظيف الشعارات كغطاء لسياسات توسعية محسوبة.
فبينما ترفع طهران راية “المقاومة” وتتباهى بخطاب المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تكشف الوقائع عن سلوك براغماتي بارد، تحكمه حسابات النفوذ والبقاء أكثر من أي التزام أيديولوجي.
هذه الازدواجية ليست استثناءً عابراً، بل جوهر ثابت في الاستراتيجية الإيرانية. فالتاريخ الحديث يثبت أن قنوات التواصل مع واشنطن لم تُغلق يوماً، حتى في ذروة التصعيد الإعلامي.
في أفغانستان والعراق، لم تكن “المواجهة” سوى واجهة، بينما جرت على الأرض ترتيبات معقدة التقت فيها المصالح بشكل غير مباشر، وأسهمت عملياً في تثبيت وقائع خدمت الطرفين.
الواقع أن طهران لا تختلف، من حيث السلوك، عن أي قوة تسعى لتعظيم نفوذها، لكنها تتفوق في شيء واحد: اتساع الفجوة بين خطابها وممارستها.
هذا التناقض لم يعد مجرد ملاحظة تحليلية، بل تحول إلى عامل يقوّض مصداقيتها ويثير شكوكاً متزايدة حتى داخل البيئات التي تزعم تمثيلها.
في العراق، تتجلى هذه المفارقة بوضوح فاقع. فالفصائل المرتبطة بإيران ليست مجرد أدوات نفوذ، بل أصبحت جزءاً من بنية الدولة نفسها، تتلقى تمويلاً رسمياً ضمن منظومة مالية تشكلت برعاية دولية بعد 2003، وكان للولايات المتحدة دور محوري فيها. هذا التشابك يكشف هشاشة السردية الإيرانية: خصم في العلن، وشريك ضمني في إدارة الواقع.
أما على المستوى العسكري، فإن الأولويات الفعلية تفضح زيف الشعارات. فبدلاً من تركيز الجهد على “العدو المركزي” كما يروَّج، تتجه أغلب العمليات غير المباشرة إلى ساحات خليجية وعربية، عبر دعم جماعات مسلحة أو استهداف بنى داخلية.
هنا يتضح أن الهدف الحقيقي ليس “تحريراً” ولا “مواجهة”، بل ترسيخ نفوذ إقليمي حتى على حساب استقرار الدول.
هذا لا يعني غياب العداء لإسرائيل أو الولايات المتحدة، لكنه عداء مُدار بعناية، مضبوط بسقف لا يسمح بالانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تهدد النظام نفسه.
لذلك تبدو كثير من العمليات أقرب إلى استعراضات محسوبة ورسائل سياسية، لا خطوات فعلية نحو صراع حاسم.
في المحصلة، تمارس طهران لعبة مزدوجة: خطاب تعبوي للاستهلاك، وسياسة واقعية لتثبيت النفوذ. غير أن هذا النهج لم يعد بلا كلفة. فالتوسع الخارجي يقابله ضغط داخلي متصاعد، وأزمات اقتصادية واجتماعية تتفاقم، فيما تتآكل الثقة الإقليمية والدولية على حد سواء.
ومع تحولات موازين القوى عالمياً، قد تجد إيران نفسها أمام لحظة حاسمة: إما الاستمرار في سياسة المراوغة حتى حدود الانكشاف، أو إعادة تعريف استراتيجيتها جذرياً. وحتى ذلك الحين، ستبقى المنطقة تدفع ثمن هذه الازدواجية، في صراع مفتوح بلا أفق واضح.

http://بوصلة طهران المضلِّلة: ازدواجية الشعارات ووقائع النفوذ

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows