افتتاحية 26 سبتمبر
في لحظات التحول التاريخي يتجلى كبرياء الشعوب وأصالة مواقفها، فما شهده العالم في تعز ومأرب من خروج جماهيري مهيب تضامنا مع الأشقاء في دول الخليج وفي طليعتهم المملكة العربية السعودية الشقيقة، لم يكن مجرد مسيرات عابرة، بل كان استدعاء لوعي قومي يدرك أن المصير واحد والجرح واحد.
هذا الحراك الشعبي الصادق وجد صداه الأبهى والأنبل في احتفاء باذخ من النخب والمثقفين والمغردين في المملكة العربية السعودية ودول الخليج، الذين منحوا هذه المسيرات أبعادها التاريخية والقومية ونقلوها من إطارها المحلي لتطوف في الفضاء العربي الواسع، موصلين رسالة مفادها أن اليمن والمملكة وباقي دول الخليج جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
إن هذه التظاهرات التي تحولت بتفاعل النخبة السعودية والمؤثرين العابرين للقارات إلى حالة ثقافية وقومية، تكشف للعالم حقائق القوة الكامنة في الروابط المتجذرة بين الشعبين اليمني والسعودي وهي روابط أمتن وأقوى مما يتصوره الأعداء والمتربصون.
فالتاريخ والجغرافيا لا يكذبان والعلاقة بين البلدين ليست وليدة المصالح العابرة، بل هي ضاربة في أعماق الزمن، حيث يمتد الإخاء من شموخ جبل (صبر) في تعز وكبرياء (البلق) في مارب إلى رسوخ جبل (طويق) وقداسة (أحد) في المملكة ليشكلوا معا سدا منيعا تطوق صلابته أحلام الطامعين وتكسر أوهامهم أمام وعي أمة تملك همة لا تلين.
لقد برهن التفاعل الخليجي والسعودي خاصة مع نبض تعز ومارب على أن النوافذ الأخوية التي حاول البعض سدها لا تزال مشرعة بالنور والوفاء وأن ما يجمعنا من وحدة الدم والمصير والجغرافيا والتاريخ المشترك أقوى من كل محاولات التزييف. إن هذه النخب التي حملت رسالة اليمن بصدق وحب إنما عبرت عن أصالة شعب عظيم وقيادة عريقة راسخة في قيمها وصدق مشاعرها، مؤكدة أن اليمن سيبقى دوما في قلبه العربي عمقا استراتيجيا وسندا تاريخيا وأن الروح التي تدفقت في عروق هذه المسيرات هي ذاتها الروح التي تكتب اليوم فصلا جديدا من فصول التلاحم المصيري، حيث يمتزج الكتاب بالدم والوفاء بالمستقبل، في وحدة حال تليق بتاريخنا العريق وطموحات أمتنا المجيدة.