يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:
لسنوات، ظلت الهدنة بين الرياض وجماعة الحوثي في اليمن بمثابة “سلام بارد” تفرضه الضرورة البراجماتية، إلا أن الصواريخ البالستية التي انطلقت مؤخراً من صنعاء باتجاه إيلات لم تكن مجرد رسالة تضامن عابرة مع طهران، بل كانت “طلقة تحذيرية” أصابت شظاياها تفاهمات هشة استغرق بناؤها أعواماً.
وبينما تحاول السعودية النأي بنفسها عن مستنقع المواجهة الإقليمية المباشرة، يجد صانع القرار في الرياض نفسه أمام معضلة كلاسيكية: كيف يمكن شراء الاستقرار من جماعة مسلحة في جوارها ترى في “الابتزاز الجيوسياسي” المورد الطبيعي الوحيد المتبقي له؟ في وقت يُتخذ القرار من جيل الحرس الثوري المتطرف في إيران.
اقتصاديات الابتزاز: الراتب أو الحرب
لطالما اعتمد الحوثيون على “رفع سقف الخطاب” لانتزاع تنازلات مالية وسياسية من الجانب السعودي. ففي الأشهر الأخيرة، صعدت الجماعة من لهجتها ضد الرياض، مطالبةً بدفع رواتب الموظفين العموميين في المناطق الخاضعة لسيطرتها كشرط أساسي للمضي قدماً في أي اتفاق سلام نهائي. ويرى هشام العميسي، مستشار الشؤون اليمنية في المعهد الأوروبي للسلام، أن الجماعة تمارس ضغوطاً متزايدة لانتزاع هذه المكاسب، معتبرةً أن استمرار تجاهل مطالبها الاقتصادية سيعيد المنطقة إلى مربع العنف الأول. إن هذه السياسة تهدف بوضوح لفرض واقع “الراتب أو الرعب”، حيث تصبح الملاحة الدولية رهينة للسيولة النقدية المطلوبة لصنعاء.
يطلب الحوثيون فاتورة الرواتب المتأخرة حتى نهاية عام 2024 نحو 7.3 تريليون ريال يمني، ما يعادل قرابة 13.8 مليار دولار أمريكي؛ إلى جانب مليارات الدولارات الأخرى كتعويضات.
إن تعثر خارطة الطريق اليمنية، التي تأجلت مراراً بسبب الأحداث الإقليمية، وضع الحوثيين في “مأزق شرعية” داخلي. ومن هنا، يوفر الانخراط في الحرب الإقليمية للجماعة مخرجاً مثالياً؛ فهو يسمح لها بحشد الدعم الشعبي تحت عباءة “الدفاع عن القضايا الكبرى”، وفي الوقت نفسه يمارس ضغطاً هائلاً على الجار السعودي الذي يراقب بقلق احتمال انهيار كل ما أنجزه دبلومساً مع صنعاء خلال العامين الماضيين. ويشير السفير البريطاني السابق نيكولاس هوبتون إلى أن الحوثيين كانوا يتوقعون “تعويضات” مالية من السعوديين للمضي قدماً في عملية السلام، إلا أن تصعيدهم الأخير قد ينسف هذه الآمال ويفتح جبهات لم تكن في الحسبان.
هذه الرسائل الحوثية لم تعد تقتصر على التصريحات، بل تحولت إلى “Shot across the bow” (طلقة تحذيرية أمام السفينة) للرياض. فالحوثيون يدركون أن السعودية تراهن على استقرار المنطقة لاستكمال مشاريعها الاقتصادية الطموحة، وبالتالي فإن التهديد بتوسيع رقعة الصراع واستمرار إطلاق الصواريخ يجعل من الهدنة الحالية مجرد “استراحة محارب” قد تنتهي في أي لحظة إذا لم تتدفق الأموال أو تُرفع القيود الاقتصادية. ويؤكد وكيل وزارة الإعلام في حكومة الحوثيين، محمد منصور، أن تدخل الحركة في الحرب لن يتوقف عند حدوده الرمزية، بل سيمتد ليشمل ملفات “رفع الحصار وضمان الموارد الاقتصادية” كجزء من أهداف العمليات العسكرية المقبلة.

فخ “ينبع”: الموانئ النفطية في المرمى
تكمن الخطورة الاستراتيجية الكبرى في أن السعودية، وفي محاولتها لتجاوز مخاطر إغلاق مضيق هرمز، زادت من اعتمادها على “خط أنابيب شرق-غرب” لتصدير نفطها عبر ميناء “ينبع” على البحر الأحمر. ويتم حالياً تصدير حوالي 5 ملايين برميل يومياً عبر هذا المسار، وهو ما يقل بمليونين فقط عن مستويات ما قبل الأزمة. هذا التحول جعل من البحر الأحمر “الشريان الأبهر” للاقتصاد السعودي، لكنه في الوقت ذاته وضعه تحت رحمة الصواريخ والمسيرات الحوثية المتمركزة في الشمال اليمني.
يدرك الحوثيون هذا الضعف البنيوي في استراتيجية الالتفاف السعودية. فالتصريحات الصادرة عن قيادات الجماعة تشير بوضوح إلى أن البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب هي أهداف مشروعة في حال استمرار “العدوان” أو الحصار-كما يقول محمد منصور وكيل وزارة الإعلام الحوثية. إن القدرة على استهداف منشآت النفط والغاز في الخليج، كما حدث في سنوات الحرب السابقة، تظل ورقة رابحة بيد الجماعة لتهديد مصادر الدخل القومية لجيرانها، مما يجعل أي استثمار في البنية التحتية النفطية على البحر الأحمر عرضة للتدمير بمسيرة لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات-كما أشار هشام العميسي مستشار الشؤون اليمنية.
إغلاق مضيق باب المندب، الذي يبلغ عرضه 18 ميلاً فقط، لا يتطلب جيشاً عرمرماً؛ بل بضع ضربات دقيقة قادرة على شل حركة الملاحة تماماً. وإذا ما قرر الحوثيون خنق هذا الممر، فإن البديل السعودي (ميناء ينبع) سيتحول من “طوق نجاة” إلى “مصيدة”؛ حيث ستجد السفن نفسها عاجزة عن الخروج نحو الأسواق العالمية، مما سيؤدي إلى حصار نفطي كامل على الصادرات السعودية يتجاوز في آثاره مخاطر مضيق هرمز نفسه.
مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران شهرها الثاني، قالت وكالة بلومبرج إن القيادة في طهران تحث الحوثيين على الاستعداد لحملة متجددة ضد الملاحة في البحر الأحمر. وتقدر “بلومبرغ إنتليجنس” أن أسعار النفط قد تقفز إلى 140 دولاراً للبرميل، مما يؤدي إلى تفاقم اضطراب إمدادات الطاقة الذي يعد بالفعل الأكبر في التاريخ، وذلك إذا بدأ الحوثيون في استهداف تدفقات النفط الخام التي تتجاوز مضيق هرمز.
تصدع “رؤية” الاستقرار: الجوار الصعب
تجد الرياض نفسها اليوم في خضم مفاوضات غير مباشرة تقودها عُمان وباكستان، لكنها تفتقر إلى “ضمانات حقيقية” تمنع الحوثيين من استخدام الساحة اليمنية كمنصة لإيران. فالحوثيون، ورغم رغبتهم في انتزاع اعتراف بهم كسلطة شرعية لليمن، لا يزالون يتحركون ضمن إطار “محور المقاومة”، وهو ما يجعل أمن السعودية رهينة لقرارات تُتخذ في غرف عمليات بعيدة عن صنعاء. إن هذا التداخل بين “المطالب المحلية” و”الأجندة الإقليمية” يجعل من أي تفاهمات سعودية-حوثية مجرد حبر على ورق أمام أول اختبار صاروخي يستهدف المنشآت السعودية.
علاوة على ذلك، فإن احتمال قيام الولايات المتحدة أو إسرائيل برد عسكري داخل الأراضي اليمنية رداً على هجمات الحوثيين سيفتح جبهة جديدة تدمر مشروع “تصفير المشاكل” السعودي. إن تحول اليمن مرة أخرى إلى ساحة عمليات دولية يعني نهاية الهدنة وتدفق موجات جديدة من التهديدات الأمنية العابرة للحدود، وهو ما يمثل كابوساً لاستراتيجية الرياض التنموية التي تتطلب جيراناً هادئين، لا جيراناً يطلقون الصواريخ البالستية فوق رؤوس السياح والمستثمرين.
في نهاية المطاف، يبدو أن “الهدنة” التي رعتها مسقط والأمم المتحدة في 2022م لم تكن سوى مسكن لآلام مزمنة، بينما المرض العضال يتمثل في جماعة وجدت في “الحرب الدائمة” وسيلة وحيدة للبقاء والابتزاز. وإذا لم تنجح الضغوط الدبلوماسية في فك الارتباط العضوي بين صواريخ الحوثي وأجندة طهران، فإن الموانئ النفطية السعودية ستظل تعيش تحت “رحمة الصواريخ”، بانتظار اللحظة التي يقرر فيها “لاعبو صنعاء” أن ثمن السلام أصبح أقل إغراءً من مغانم الحرب؛ أو يقرر الحرس الثوري في طهران أن الوقت حان لإفلات “الزناد الحوثي” كبندقية في حرب إقليمية تتوسع كل يوم.
The post سلام معلق على “زناد” طهران.. الهدنة السعودية في مواجهة الابتزاز الجيوسياسي الحوثي appeared first on يمن مونيتور.