Arab
تعمّق الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أزمات دول المنطقة والعالم، بعد مرور شهر على اندلاعها، مع امتداد تداعياتها إلى أسعار الطاقة والأسمدة والنقل، وبدء انعكاساتها على الأسواق المالية العالمية والمعادن النفيسة وأسعار السلع. كما يُتوقع أن تترك آثاراً مستقبلية على أسعار الفائدة المصرفية، ونسب التضخم، ومستوى المعيشة، في ظل غموض نهاية هذه الحرب أو شكلها.
وتتباين خسائر الاقتصاد التركي نتيجة ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة (النفط والغاز)، التي كانت تُقدّر قبل الحرب بنحو 55 مليار دولار سنوياً، إلى جانب تراجع احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي، بعد ضخ أكثر من 40 مليار دولار منذ بدء الحرب في 28 فبراير/ شباط الماضي، وفق منشور للبروفيسور علي هاكان كارا، كبير الاقتصاديين السابق في جامعة بيلكنت والبنك المركزي. كما ظهرت آثار تضخمية وارتفاع عام في الأسعار، إلى جانب تراجع الثقة بالاقتصاد التركي إلى أدنى مستوياتها منذ ثمانية أشهر، بحسب بيانات رسمية.
وفي هذا السياق، أكد نائب الرئيس التركي جودت يلماز، اليوم الثلاثاء، أن "انتهاء الحرب لا يعني زوال آثارها فوراً"، مشيراً إلى أن التداعيات السلبية ستستمر لبعض الوقت. وشدّد، خلال كلمته في الدورة الخامسة والأربعين للجمعية العامة العادية للرابطة الدولية للمستثمرين، على ضرورة إعداد السياسات الاقتصادية لمرحلة ما بعد الحرب، محذراً من مخاطر تباطؤ النمو وارتفاع التضخم عالمياً نتيجة هذه الصراعات.
وأوضح يلماز أنه على المدى القصير، ستترك هذه التطورات آثاراً سلبية على الاقتصاد التركي، معرباً عن أمله في أن تكون مؤقتة. وأضاف: "حتى لو انتهت الحرب، سيستغرق إصلاح الأضرار وقتاً، وسنواجه بيئة جديدة يجب فهمها والاستعداد لها عبر سياسات اقتصادية مناسبة".
أما على المدى المتوسط، فأشار إلى أن تركيا تمتلك فرصاً مهمة بفضل موقعها الجغرافي، في حال تبنّت السياسات الصحيحة. ولفت إلى نظام تسعير الطاقة التدريجي، وتحمل الدولة جزءاً كبيراً من ارتفاع أسعار النفط عبر برنامج "يشيل موبايل"، الذي يغطي 75% من الزيادة، ما يسهم في الحد من الضغوط التضخمية. وأضاف: "سنواصل سياسات تحدّ من الآثار قصيرة المدى وتدعم الفرص متوسطة المدى"، مؤكداً الالتزام ببرنامج الإصلاح الاقتصادي وتعزيز التنافسية والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
وفي ما يتعلق بجذب الاستثمارات الأجنبية، أوضح يلماز أن تركيا تستهدف رفع حصتها من الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً إلى 1.5% بحلول عام 2028، مشيراً إلى قرب إعلان استراتيجية جديدة تركز على الرقمنة والاستدامة، إضافة إلى عقد اجتماع "مجلس استشاري للاستثمار" في سبتمبر المقبل، بمشاركة الرئيس رجب طيب أردوغان وكبرى الشركات الدولية.
من جهته، قال الخبير التركي توران كشلاكجي إن آثار الحرب لم تظهر بشكل كبير حتى الآن، لكنها تتصاعد مع استمرارها وارتفاع أسعار الطاقة وتعطّل سلاسل التوريد. وأضاف أن موقع تركيا، رغم عدم انخراطها المباشر في الحرب، يجعلها عرضة لمزيد من التأثر، خاصة مع دورها وسيطاً محتملاً. وأوضح كشلاكجي لـ"العربي الجديد" أن مدة الحرب ستكون العامل الحاسم في حجم التأثير، مشيراً إلى أنه "حتى في حال توقفها قريباً، فإن آثارها ستستمر". ولفت إلى ارتفاع أسعار المحروقات أربع مرات منذ اندلاع الحرب، ما انعكس على تكاليف الإنتاج وأسعار السلع وأجور النقل وسعر الصرف، مؤكداً في الوقت نفسه أن الأسواق التركية لم تشهد نقصاً في السلع، ولا تزال المنتجات متوفرة.
وحول المكاسب المحتملة لتركيا بعد انتهاء الحرب، مثل المشاركة في إعادة الإعمار أو التحول إلى مركز لتوزيع الطاقة، رأى الخبير أن ذلك "مرهون بوقف الحرب أولاً"، مشيراً إلى أن مصالح قوى دولية عدة قد تدفع نحو إطالة أمدها لإعادة تشكيل المنطقة والتحالفات العالمية.
