عزل روسيا عن الإنترنت العالمي... هل يحوّلها إلى كوريا شمالية؟
Arab
1 day ago
share
تضيق خيارات الاتصال عبر الإنترنت العالمي أمام المواطنين الروس، نتيجةً للمساعي الحكومية الهادفة إلى تفعيل شبكة إنترنت داخلية وعزلهم بشكل متزايد عن العالم الخارجي، مما يعقّد الحياة الشخصية والمهنية، ويعيق حتى تنسيق العمليات العسكرية الروسية نفسها في أوكرانيا، ويبدو كأنه يحوّل روسيا تدريجياً إلى ما يشبه كوريا شمالية على المستوى الرقمي، بحسب خبراء غربيين. قرارات ضد الإنترنت العالمي شرعت السلطات الروسية في إبطاء الوصول إلى تطبيق المراسلة "تيلغرام"، وحظر الكرملين أو قيّد الوصول إلى "واتساب" و"فيسبوك" و"إنستغرام" و"لينكدإن" و"يوتيوب" و"فيس تايم" و"سناب شات" و"إكس". هذا بينما تطبيقات "سيغنال" و"ديسكورد" و"فايبر" غير متاحة منذ 2024. وفي سبتمبر/أيلول الماضي، حظرت روسيا الإعلان عن خدمات الشبكات الافتراضية الخاصة (في بي إن) التي يستخدمها المواطنون لتجاوز القيود الحكومية المفروضة على تطبيقات أو مواقع معينة. ويمكن للمحاكم الروسية اعتبار استخدام أدوات إخفاء الهوية ظرفاً مشدداً في بعض الجرائم، ما يعني تزايد الضغط على تقنيات التحايل من دون تجريمها رسمياً. ويشير مركز ليفادا الروسي لاستطلاعات الرأي إلى أن الاستخدام المنتظم لـ"في بي إن" بات أقل، ويقول إنه وجد أن نحو ربع الروس فقط قالوا إنهم استخدموها. كما وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في فبراير/ شباط الماضي، قانوناً يُلزِم شركات الاتصالات بحجب الوصول إلى الإنترنت عبر الهاتف المحمول والإنترنت الثابت بناءً على طلب جهاز الأمن الفيدرالي. وبعد وقت قصير من دخول القانون حيّز التنفيذ في 3 مارس/آذار، أبلغ سكان موسكو عن مشاكل واسعة النطاق في الإنترنت عبر الهاتف المحمول والمكالمات والرسائل النصية لدى جميع شركات الاتصالات الرئيسية لأيام عدة، وقد أثرت الانقطاعات حتى على مبنى مجلس الدوما. هذا وينص القانون الروسي صراحةً على منح الحكومة سلطة حجب المواقع الإلكترونية بمبررات مثل التطرف أو الإرهاب أو المحتوى غير القانوني أو انتهاكات لوائح البيانات. وحتى من دون حجب، تسمح بنية الإنترنت الداخلية في روسيا للسلطات بإبطاء حركة البيانات بدلاً من حجبها تماماً.  وقال الباحث في المرصد المفتوح لتدخلات الشبكة (OONI)، أرتورو فيلاستو ، لصحيفة ذا غارديان، إن عملية الحجب في روسيا غامضةً وأقل وضوحاً بكثير مقارنة ببلدٍ مثل إيران. ويرجع ذلك إلى أن البنية التحتية للإنترنت في روسيا أكثر لامركزية، مما يجعل فرض رقابة واسعة النطاق أكثر صعوبة، لافتاً إلى وجود "عدد أكبر بكثير من مزودي خدمة الإنترنت الذين يديرون شبكاتهم بشكل أكثر استقلالية". وأظهرت بيانات المرصد المعني بمراقبة الرقابة على الإنترنت منذ 20 مارس الحالي أن "تليغرام" يُحجب بشكل متزايد وأوسع نطاقاً في روسيا، وذلك نتيجة تطوّر التقنيات الحكومية، وبيّنت وجود مشاكل في الوصول إلى التطبيق في 12 منطقة، منها موسكو وسانت بطرسبرغ. وحذّر الخبراء من تفاقم الرقابة واتخاذها شكلاً أكثر فظاظةً، خاصةً مع تلميح السلطات الروسية إلى حظر "تليغرام" بشكل كامل في مطلع إبريل/ نيسان المقبل. بدائل روسيا والروس تحاول روسيا استبدال التطبيقات الدولية بأخرى محلية، في مارس 2025 انطلق "ماكس"، وهو تطبيق شامل شبيه بـ"ويتشات" الصيني؛ وتوجّه السلطات الروسية بشكل متزايد نحو استخدامه عبر جهات العمل، ومجموعات الدردشة المحلية، وبوابة الخدمات الحكومية حيث يحصل المواطنون على الوثائق، ويدفعون الغرامات، ويحجزون المواعيد، بالإضافة إلى البنوك ومتاجر التجزئة. وتُشير شركة فكونتاكتي، مطوّرة التطبيق، إلى "نمو سريع في عدد المستخدمين" بحسبها. أما من ناحية المواطن، فقد ازداد الطلب على أجهزة الاتصال القديمة، بما فيها أجهزة اللاسلكي والهواتف الأرضية، بالإضافة إلى الخرائط الورقية، مع تراجع موثوقية شبكات الهاتف المحمول، وفقاً لما نقله موقع آر بي سي الروسي. كذلك يستخدم الملمون بالتكنولوجيا شرائح وهواتف ثانوية للبقاء على اتصال. قرارات تقيّد السلطات الروسية نفسها وعلى الرغم من الأضرار التي يسبّبها قطع الإنترنت على السلطات الروسية، إلّا أنها تبدو عازمةً على المضي في مسارها. ويشير المنتقدون في الداخل الروسي إلى أن قرار تقييد الوصول إلى تطبيق تليغرام يعني ضرراً للسلطة نفسها، مشيرين إلى أنه يستخدم من قبل القوات الروسية على الخطوط الأمامية للتنسيق المباشر فيما بينها وتجاوز التسلسل القيادي البطيء. وتنقل "بوليتيكو" عن جندي روسي قوله إنّ "جميع الأعمال العسكرية تتم عبر تليغرام، جميع الاتصالات. سيكون ذلك بمثابة إبادة للجيش الروسي بأكمله". وعلى المستوى المدني، يعد التطبيق أحد أكثر منصات المراسلة شعبية في روسيا، إذ أصبح مركزاً محورياً للأخبار والأعمال والترفيه في غياب التطبيقات الأخرى، ويعني حظره معركة بين المواطن والسلطة لمحاولة تجاوز القيود. وكان قرار إيلون ماسك إلغاء تشغيل جميع محطات "ستارلينك" في أوكرانيا، في فبراير/ شباط الماضي، باستثناء تلك المدرجة في القائمة البيضاء، قد منع القوات الروسية من الوصول إلى خدمة ستارلينك للإنترنت ممّا أضرّ بالعمليات العسكرية. ونقلت "بي بي سي" عن مشغل طائرات مسيرة أوكراني قوله إن "الروس فقدوا قدرتهم على السيطرة على الميدان"، وأشار إلى "أنهم فقدوا 50% من قدرتهم الهجومية. هذا ما تُظهره الأرقام. عدد أقل من الهجمات، وعدد أقل من طائرات العدو المسيرة، وعدد أقل من كل شيء". وجاء تحرك الملياردير الأميركي بعد تزايد الأدلة على أن استخدام "ستارلينك" يمكّن القوات الروسية من شنّ هجمات أكثر دقة، بما في ذلك حالات عدة لتركيب وحدات على طائرات مسيّرة، تسمح للمشغلين باستخدام روابط فيديو مباشرة لتوجيه الطائرات المسيّرة نحو أهدافها.  "شبه كوريا شمالية" أدّت هذه القرارات إلى عزل الروس بشكل متزايد عن العالم الخارجي وعن بعضهم البعض، سواء على المستوى الشخصي أو المهني أو العسكري. ونقل موقع بوليتيكو عن مدير مركز كارنيغي روسيا أوراسيا في برلين، ألكسندر غابويف، أن تعميق العزلة الرقمية قد يحوّل روسيا إلى ما يشبه "كوريا الشمالية الكبيرة المسلحة نووياً وشريكاً ثانوياً للصين". كما نقل عن المدير التنفيذي لجمعية حماية الإنترنت الحقوقية، ميخائيل كليماريف، أن "الوضع تحوّل إلى حرب عصابات. إنهم يتعقبون شبكات في بي إن التي يمكنهم الوصول إليها، ويحجبونها، فيهرب المقاتلون، ويبنون ملاجئ جديدة، ثم يعودون". وفيما نفى المسؤولون الروس وجود خطط لقطع الإنترنت بشكل كامل، حذّر خبراء شركة أمنيزيا في بي إن، من أن تتّخذ روسيا مساراً مشابهاً لإيران. ونبّهوا، في حديث مع صحيفة ذا غارديان البريطانية، إلى أن عمليات قطع الإنترنت في البلاد خلال العام الماضي كانت بمثابة اختبار، مشيرين إلى أن هيئة تنظيم الاتصالات الروسية (روسكومنادزور) تختبر كيف سيعمل الاقتصاد تحت قيود صارمة في أي وقت. كما عبّروا عن مخاوفهم من أن تصير عمليات قطع الإنترنت في موسكو "أمراً روتينياً إلى حد ما". وبينما يظل الوقت وحده كفيلاً بتأكيد هذه المخاوف من عدمها، إلا أن الضرّر الأكبر من هذه التحولات يظهر جليّاً على المواطنين، الذين يعانون من انقطاع الاتصال والخدمات، بدءاً من المستخدمين الملمين بالتكنولوجيا، ووصولاً إلى كبار السن الذين يكافحون للتواصل مع عائلاتهم في الخارج.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows