Arab
كانت الحرب، بما حملته من صقيعٍ في الروح ورعبٍ في الشوارع، أشبه بيدٍ غليظةٍ امتدّت إلى موسيقى نزيه أبي الريش، لا لتحطّمها، بل لتدفعها إلى مناطق أعمق من الانفعال والبوح. فبعد عام 2011، لم يعد العود بالنسبة إليه مجرّد آلة أخشاب ووتر، بل صار جسداً آخر يختزن الارتجاف الجمعي لسكان البلاد، يلتقط أنفاسهم الملوّثة بالخوف، ويحوّلها إلى جُملٍ موسيقيّة تترجرج بين النجاة والانكسار. صار لحنه أشبه بصرخةٍ مكتومة، لا هي حدادٌ ولا هي نشيد، بل منطقة وسطى تتصارع فيها الذاكرة مع الحاضر، ويمتزج فيها الحنين بالمرارة. كانت الحرب تطرق نافذته كل صباح، فتدفع أصابعه إلى الوتر كما لو أنّها تقوده إلى اعترافٍ إجباري: اعتراف بأن الجمال لم يعد ترفاً، بل ضرورةً للبقاء. ومن تحت الركام اليومي كان العود يظهر ككائنٍ صغيرٍ عنيد، يرفض أن يموت، ويصرّ على دقّ حدقات الضوء في كل ما هو مظلم.
العظماء يقولون ما يجب قوله ويرحلون، إذ لا معنى بعدها للهذر على أرصفة الحياة، على جمالها وسطوة بهائها
تقول الميثولوجيا: إن إنانا مغنية المعبد تركت السماء ونزلت تبكي الناس ممن لم يُنقذهم طوف "اوبتنابشتيم" بعيد الطوفان الذي أرسلته الآلهة، وكان سببه أنها انزعجت من ضجيج البشر. نعم، هكذا يجب أن تكون الآلهة، نوعيَّة، نزقة في كينونتها العليا، في ذوقها، غير عمومية الصبغة، وليست للجميع.. آلهةٌ يُزعجها الضجيج، وترمِّمُ آلام الناس بالموسيقا.
من يومها والماء مقرونٌ ليس فقط بالحياة والازدهار الحضاري، بل بالألم.. بالغناء والنجوى، بالوجد والحنين الأولاني إلى الرحم الأولاني.. فكيف إذا كان الماء مالحاً، ووعاؤه حوضٌ كبيرٌ ناتجٌ عن خصومةٍ ما بين صبايا الكوكب (قارَّاته)، التي تباعدت عن بعضها.. ليولدَ البحر.
يقول البحر: أحبوني، ففيَّ الملح الموجود في الدموع والدماء والخبز، ويقول له سكان شاطئه: نحبكَ، إذ نلد لك أمواجاً شبيهةً بأمواجك، لكنها تدب على قدمين، وتحمل بيديها: عوداً.
واحدةٌ من هذه الأمواج كانت شقراء ومكتنزةً أصواتاً وأفكاراً، اسمها: نزيه أبو الريش، السوريُّ المولود في مدينة اللاذقية 1982، والذي تعلم على آلة العود ذاتياً دون معلِّم، في سن الخامسة، وكأنه لم يولَد، بل انتزع عوده من الرحم الذي كان يسبح فيه، وأتى إلى الحياة، ليعزف بكل هذه الكثافة والرهافة والجسارة، ليفرغ ما في جعبته من ملح، ويرحل.
العظماء يقولون ما يجب قوله ويرحلون، إذ لا معنى بعدها للهذر على أرصفة الحياة، على جمالها وسطوة بهائها.. يُفرِغون سنأمَ الروح ويرحلون. وإن كانت "شخصيَّةُ المرء مصيره" فأقول: "مصيرُ المرء عبارتُه الأولى".
بدأ أبو الريش مسيرته الموسيقيَّة كعازف عودٍ محترفٍ ضمن فرق الموسيقى الشعبية، وهو في سن الثالثة عشرة. حيث أخذ يعب من بيئات سورية الموسيقية، ساحلاً وجبلاً، سهلاً وصحراء وبادية، ومن تلك البيوتات الفقيرة من كلِّ شيءٍ إلا من الحب والموسيقا، كغجريٍّ سكنه البحثُ عن موطئ قدمٍ وماءٍ لروحٍ سكنها الصوت على شكل سؤال، وكلما ظنَّ أنَّه وصل، يجد أن رحلته قد بدأت للتو. هكذا هي الموسيقا، وهكذا هو الشَّغف.
تجاربه الذهنية والعاطفية الموسيقيَّة، التي خمرت في وجدانه مخزوناً صوتياً عالي الكثافة، وبالتوازي مع دراسته الاكاديميَّة للموسيقا، هذا كله جعل لريشة أبو الريش عفقةً استثنائية، فأصبح صاحب اليد اليمنى التي قلَّ نظيرها، اليد اليمنى التي وبمجهود بسيط، وبملامسات ومداعبات رشيقة على الوتر تلد الكثير من الاحتمالات والدفقات الموسيقية على مدى الثانية، والثانية في الموسيقا عُمُر، حيث يتلوّن الوقت والهواء ضمنه ليصبحَ زمناً بلونٍ ورائحة، ويعلن هويَّة الصّايغِ ما بين العشَّاق.
بالتقاطات النبيه الذكي، ومع تراكم الخبرات السمعية والأكاديمية، والدأب على التدريب اليومي، استطاع النَّزيهُ أن يُعلنَ عن مدرسته الموسيقيَّة في عمرٍ مُبكِّرٍ نسبياً بالمقارنة مع أصحاب المدارس الموسيقيَّة في العالم، وتحديداً على آلةٍ إشكاليَّة دراميَّة مثل العود، وكان ذلك في عام 2005، حيث أسَّس في مسقط رأسه (اللاذقية) "مدرسة العود السورية"، ونجح من خلالها في تخريج أكثر من مائة طالب صاروا اليوم عازفين وموسيقيين محترفين، ما حوّل أسلوبه من اجتهاد فردي إلى تيار تعليمي منظَّم، قبل أن ينقل نشاطه إلكترونياً إلى مونتريال في كندا.
لم تقتصر مدرسة العود السُّوريَّة، التي أسَّسها نزيه أبو الريش، على تعليم تقنيات العزف ونقل الخبرة الموسيقية إلى الأجيال الجديدة، وحسب، بل أيضاً الإمعان في قوالبَ موسيقيَّة دقيقة، لم تخل من الجرأة والمغامرة في شق الطَّوق عن المقام الموسيقي، لكن ضمن قالَبٍ موسيقيٍّ سوريٍّ روحاني، ومثلما طوَّرتِ الرَّوحانيات والتقنيات في آن، انفتحت على المدارس والمذاهب الموسيقيَّة الأخرى عموماً، وعلى ما يخصُّ آلة العود خصوصاً. الغريب، وليس المُستغرَب في الأمر، أن هذه المدرسة لم تلق الدعم الإعلامي اللائق، ولم يعرفها السوريون حالةً أصيلةً وفريدة، إلا من رحم ربي من المهتمين والعازفين المريدين، حالَ كل شيء كان يسعى ليكون مشروعاً على مستوى وطن، أو ربما لأنها لم تكن موجودةً في دمشق.. دمشق التي أصبحت أشبه بالفرَّامة الانتقائيَّة المنشغلة بصنع نُخبٍ وهمية. أيُّ عودٍ هذا ليتنفسَ بين حشودِ الممثلين والبلوغرز؟! وللحديث بقيَّة.
العود وفولاذ الحرب الصَّلف
قلبُ نزيه أبو الريش، الذي لم تطاوعه رهافته على النبض أكثر من 44 عاماً، لم يحتمل الحرب ووطأتها، وما فرضته من أهوالٍ ورعب، فامتشق عودَه سلاحاً فرديَّاً خفيفاً جداً يرمي الحبَّ والدموع رشَّاً وديراكاً، وانتقل عام 2016 للعيش في مدينة مونتريال (كندا). وهناك، استمر في إدارة طلابه وتدريسهم في "مدرسة العود السوريَّة" عن بعد، وتابع شغفه في كشف الحجب والستائر عن مضغة الرنين الأولاني السوريَّة، التي شكلت الصوت، فالموسيقا، فالقُبلة. تعاونَ مع مؤسسات دولية عريقة مثل "كونستانتينوبل" و"مركز موسيقيي العالم" وقدم مناهج وورش عمل ودروساً متخصِّصةً في الهوية الخاصة التي طرحها لآلة العود. وأحيا حفلات وأمسيات كثيرة، كان فيها العود بطلاً رئيسياً ناطقاً بالفكرة الموسيقية وبالمقولة، وما يلحق بهما من توابل ارتجالية. من مونتريال انطلق إلى العالم عبر مهرجانات دولية كثيرة ففُتحت له المسارح ودُور الأوبرا، وقدَّم الكثير من مؤلفاته، منها: ألبوم "جذور الأوتار"، مقطوعة "نوستالجيا"، مقطوعة "دمشق"، وأخيراً مشروع "تحت السماء السورية". ليكون النَّجم، وعوده السماء، وموسيقاه درباً من مخملٍ سوريٍّ أنيق، يمخر الكونَ ليُنبئَ برحيلٍ مبكر بعد جرعةٍ زائدةٍ من الحب.
يأخذك أبو الريش معه إلى هيكليَّة شبيهة بموسيقا الجاز كطريقة تفكير وفلسفة، واقتحام غير مألوف لفضاءات المقام
مدرسةٌ في صناعة العود أيضاً
لم يكتفِ أبو الريش بخوض غمار الموسيقى تأليفاً وعزفاً، بل أخذه الشغف والافتتان بآلة العود، إلى التعمق في تفاصيل وبِنية هذه الآلة، حتى أصبح أحد أهم المجدِّدين في مجال صناعة آلة العود، حيث أجرى على الآلة تعديلاته الفيزيائيّة الخاصة، والتي جعلت من آلة العود، مصدراً لتواترٍ صوتيٍّ واحد على امتداد ثلاثة أوكتافات (سلالم موسيقية). أي: قرار، جواب، جواب الجواب، من خلال نظام جسورٍ داخلية أمَّنت النوسان والاهتزاز الموحد للصوت على طول زند العود، وحتى في أقاصيه، أي ما بعد التقاء الزند بالصدر وصولاً إلى قمريَّته. ما ضمن دقَّةً ونظافةً في تنفيذ كل حركات المهارة، والهارموني
والكوردات الغربية، مع وفاءٍ عالي الجودة لتكوين العود وصوته، كآلةٍ شرقية.
أخذ هذا كله العودَ إلى مرتبةٍ أكثر شموليَّة، وحوَّله إلى آلةٍ قادرةٍ على شق الطوق عن هويتها الكلاسيكية، ومجاراة كل الآلات الأخرى وكل القوالب الموسيقيَّة في العالم، وأخذ نزيه أبو الريش ليكون مدماكاً متينا، في مدرسة العود السُّوريَّة عزفاً وصناعةً.
إعادة إعمار
بالاستماع والتعمّق في هوية نزيه أبو الريش الموسيقيَّة، مؤلفاً، وعازفاً ارتجالياً على وجه التحديد، نجده يأخذنا معه في دربٍ مفعمةٍ (بالمغامرة المقاميَّة)، دربٍ لا يخلو من المفاجآت، التي لا يقدمها إلا المغامر الجسور الشجاع.
لكل مقامٍ موسيقي أربع محطّات أو خمس، ترتكز عليها المقطوعة الارتجاليَّة (التقاسيم) وهذا أشبه بالعُرف الموسيقيِّ السمعي، ولم تُكسر قاعدة محطات المقامات مذ نُظِّم الرنين الموسيقي مقامات أصلاً، ولم يناور عليها أو معها إلا قلةٌ من الأفذاذ، وما نزيه أبو الريش إلا واحد منهم، إذ يفاجئك عند سماع تقسيمته بالتحويل غير المألوف، لكن الطروب والسلس، ما بين المقامات، محوّلاً كل نوتة من نوتات المقام، إلى محطةٍ، وإلى نقطة ولادةٍ جديدة لجملة جديدة، غالباً ما تكون من مقامٍ آخر، وهذا كله ضمن قالبٍ روحي وعاطفي رهيف وحصيف، وضمن مقولة عاطفية تزداد إمعاناً في المقام، لا بالابتعاد عنه.
يبدو وكأنَّه يكسِّر المقامات، ويعيد تجبيرها برأفة العاشق وحرفة المبدع.. يهدمها ويعيد إعمارها، لتولدَ أكثرَ بهاءً وحميميَّة. شيءٌ يُذكِّر بما فعله حسن النعماني (صلاح السعدني) في مسلسل "أرابيسك"، عندما طلب منه تصنيع جداريات أرابيسك تشمل كل الحضارات التي مرّت على مصر في فيلا الدكتور برهان العائد إلى مصر، فما كان منه إلا أن هدم الفيلا، واعترف بذلك، مبرّراً، أنه لا يمكن صنع جداريات منفصلة، وإنما يجب النهوض بفيلا جديدة تذوب فيها جماليات الحضارات المتعاقبة على مصر مندمجةً. يجب بناء فيلا هي: مصر.. عجينة كلِّ شيء.
يأخذك أبو الريش معه إلى هيكليَّة شبيهة بموسيقا الجاز كطريقة تفكير وفلسفة، واقتحام غير مألوف لفضاءات المقام، لكنها ليست "جاز" لأنها مفعمةٌ بشجن وشغف الروح الشرقية، مشبعةٌ بربع الصوت، الذي يميز موسيقانا الشرقيَّة السورية. فإن كانت موسيقا الجاز “تصل إلى سرير الحب” كما قيل عنها، فموسيقا نزيه أبو الريش هي لهفة الحب وجسارته، عرقُهُ وعبقه، وقبُلٌ ترحل مع الموسيقا إلى سماءٍ قريبةٍ تشي بعناق، بعيدةٍ كسؤالٍ عن الحريَّة.
لم تكن فلسفة نزيه أبو الريش الموسيقيّة مجرد بحثٍ في الصوت أو محاولةٍ لإتقان العزف، بل كانت مشروعاً وجودياً كاملاً، يرى فيه أن الموسيقى ليست فناً يُمارَس، بل قدراً يُعاش. كان يؤمن أن العود ليس آلة حياديّة، بل كائناً له ذاكرة ووعي وانفعال، وعلى العازف أن يفتح له الطريق كي يقول ما يريد، لا أن يفرض عليه ما يريد العازف قوله. لذلك كان يعتبر أن دور الموسيقي الحقيقي هو إزالة الغبار عن الروح، لا عن الخشب، وأن النغمة الصحيحة ليست ما يطابق القاعدة، بل ما يطابق لحظة الحقيقة داخل القلب. كان يكرر دائماً أن الموسيقى “تُربّى ولا تُدرَّب”، وأن الصوت يكتسب معدنه من صدق صاحبه، لا من مهارته فقط. ولعل جوهر فلسفته يقوم على فكرة التحرّر: تحرّر العازف من خوفه أولاً، ثم من الموروث الجامد، ثم من قداسة القوالب التي تحاصر المعنى. بهذا الفهم، تحوّل العود معه إلى أفق، والمقام إلى طريق، والارتجال إلى حالة كشفٍ روحي تتجاوز حواجز التقنية لتصل إلى حنجرة الوجود نفسه.
لعل إجابته عن تطوير آلة العود وجعلها حاضرةً فاعلةً مع غيرها من الآلات، وفي كل القوالب الموسيقية، خلال لقاءٍ أجري معه على هامش مهرجان كتارا في الدوحة أخيراً لآلة العود تلخِّص كل ما يجبُ أن يقال في هذا المضمار: "المسؤوليَّة الأولى والأخيرة على العازفين، ليتجرأوا ويطرحوا مقولاتهم ومواقفهم الموسيقيَّة.. لا بد من الحريَّة.. حرية العقل أولاً"
رحل نزيه أبو الريش الشاب عن عالمنا، وهو في الرابعة والأربعين، مثبتاً صحَّة قول ممدوح عدوان عن الموت، إنه شمطاء متصابية تهوى الشباب الوسيمين، ومثبتاً ألا طائل من المكوث، طالما أنهيت مقولتك، وأفرغتَ حمل روحك كله.
رحل كرامبو، كطرفة بن العبد، كموتزارت، كرياض الصالح الحسين... والقائمة تطول. ككل الأفذاذ، الذين نثروا ملح الحب عن قلوبهم بعُجالة العاشق الملهوف، ومضوا.

Related News
أفضل أوقات تناول الحليب لتقوية العظام
aawsat
5 minutes ago
قد تكون أهم من العمر... ما «فترة الذروة الصحية»؟
aawsat
6 minutes ago